تحميل...

منوعات

جديدنا في بريدك

    اشترك في نشرتنا البريدية:

حوار إنسان

كلام من القلب

  • المزيد »

قراءة في عنوان

  • المزيد »

مقال الرأي

قضايا وملفات

صورة وتعليق

مقالات مترجمة

رسالة إلى المعني

قالت الحكاية

فن وثقافة

أخبار ومتابعات


    نثـارُك مـن وَحْـي التمرّدِ هاجَني**وحُسْنُك فـي رؤيا الجمال سباني

    تغربت أستشفـي الصبـابـة داميا**وكم عـاذل غيـران مـنـك لحاني

    رشفت دنان الخمر من كأس ثغـره**فـأزهر قـلبي واسـتـنـار كـيـانـي

    وفي روضة الأحلام أرسيت قاربي**وقد غرني عزف الهـوى وغوانـي

    سأتلـو بلـيـغ الـوجـد فـيـك متيـمـي**فشوق الهوى والحـب منـك رمانـي

    هو الشعر غض لـو يعانقـه الهـوى**ويهـتـز كـالأغـصـان فـيــه بـيـانـي

    يـتــوه وتـجـلـوه الـمـحـبـة رغــبــة**وتشـدو عصافـيـري وحـبـك دانــي

    وجاءت كلـون الزعفـران وشعرهـا**على الظهر يكسوهـا وشـاح أمانـي


    وعيـن كضـوء الفجـر لاح بريقـهـا**وأشـرق فــي قلـبـي فـظـلَّ يعـانـي

    فقلت رويـدا مـا الهـوى وجريرتـي**وهــذا غـــراب للـرحـيـل دعـانــي

    فحف هديل الطير إذ بـات مؤنسـي**وذبــت أســى مــن شــدة الخفـقـان

    فــــــآه وآه ,,ثــــــم آه وويــلــتــي**صــدودك نـــار والأنـيــن دخـانــي

    أمرت فصـار القلـب عنـدي رهينـة**فأنـت أميـري مـصـدري و كيـانـي

    ملكـت فـؤادي فاستكانـت جوانحـي**وخـلــت سـنـيـنـي كـلـهــا بــأمــان

    فـأنـت مـلاكـي واقـتـرابـك جـنـتـي**وحـبـك أستـسـقـي فـأنــت حـنـانـي

    وددت أقضّـي العمـر قـربـك مــرة**وها هو صدري عند صدرك حاني

    ولست أداري الناس أخفـي محبتـي**ففـي القلـب حبـي والحبيـب جفانـي

    إذا نلـت منـك الـود تخضر جنتـي**ويُطلَقُ فـي السحـر الحلال عنانـي

    هجرت فزدت النـار بيـن جوانحـي**وأشـعـر أنــي قــد يـحـيـن أوانـــي


    رويــدك يــا حـبـي فــإن مـفـارقـي**أتاهـا رسـول الشـيـب ثــم غـزانـي

    ببحر الهوى قد موسقتنـي محابـري**فمـر حديـث الــروح مـثـل ثـوانـي

    كــأن عبـيـر الــورد ينـثـر عـطـره**فجئت وصوت الحـب منـك دعانـي

    السبت، 25 فبراير 2012 | نشر بتاريخ


    بقلم: عبد الباسط ولد خيصال-- ككل المهندسين ينتظره نهاية كل مساء ...ليكتشف نفسه بين أبعاد هذا التعاقب " الفلسفي " الدوري ...هكذا يعرف الليل : هو مكان يلتقي فيه الناس أمواتا ليحييوا فيه بعد قليل بحركة ستاتيكية ..زائرين الألواح البعيدة ..المبهمة ..تقطر معنى ...كل هذا يحدث في الورائيات التخيلية ....مازال فاشلا في اللحاق بالركب " الليلي" ..بالرغم من امتطائه لأدوات السرعة ..خيال ..تأمل ..ورقة ...قلم ..كوب شاي ...سيجارة لاننطفأ....حركات ثابتة بين أرجاء غرفة ..موسيقى هادئة ..تراتيل القديس الأخير ...بين طيات محاولات بائسة وفاشلة يعانق صفحة كتاب ..ليتذكر الجزء الأخير من رواية " عشق بطلتها" ...تسقط عينه على كتاب أول في " الرف" ..يبتسم ويسأل : .هل من المصادفة أن يكون " نيتشه" " عاشقا للكون"؟..إن كان كذلك فلماذا لم يتكلم عن حدود الليل واكتفى بتخيله كأنثى ندخلها ولا نخرج إلا بعد إذنها" !!!..لما هاته النسبية في لمس جزئيات هذا " المكان الفسيح" ؟ ...أسئلة " جدلية" لابد أن أجد لها معنى وبعد أخر ...ينهي رحلته المتعبة ...ليهدأ فكره بين يدي " جدل أخر" ..." إنه النوم" !!!

    الجمعة، 24 فبراير 2012 | نشر بتاريخ

    "صديقي، غائب أنت في التغييب.. وغائب أنا في غيابي.. لن أدعو لك فما عادت دعوات الكبار تجدي، وليس في وسعي أن أمتطي سعف النخلة وأاطارد فراش عسل "الغرس" كي أصير ذلك الطفل البريء ذو الدعوات المستجابة.. وهل تنفع دعوة ميّت لميّت؟.. " محمد ياسين رحمة

    خلّني
    فاضت السماء بعينيّ نبيذا واستيقظت أعشابي
    صاعد في الحفيف، في نشوة الوخز، في ريش السّحاب
    ... في الأهداب

    صاعد..
    صاعد..
    دمي يشرب النّار، وروحي تطير من أثوابي
    صهوتي البرق، والتباريح أكوابي
    وسرّ المجهول سرّ اكتئابي

    أين يمضي بي إلتهابي؟
    وأين المنتهى.. أين آخر الأبواب؟

    خلّني
    للضياع، للخوف، للسّحر، وللموت خارج الأحقاب

    خلّني.. خلّني فهذا اغترابي
    هذه شهوتي.. وهذا عذابي

    قصيدة "المعراج" للشاعر عثمان لوصيف من ديوان "براءة"

    السبت، 17 ديسمبر 2011 | نشر بتاريخ

    يأتي من حيث لا يجيء

    محملا بطرس جلابيب العراة

    يأتي من ذاكرة وافرة بالوجع

    متمنطقا سدّة من تصاريف الوقت

    يكاهب على الصّمت كلما اتسعت رؤاه تاه خصره في الجلباب

    يأتي كما لم يأت سيّد الطّير منشرح الجناح

    يغرس زيتونه لأسراب معدّة من طين اللهفة الممتشقة

    كم تدور سحنته بالكون فلا تعثر على الشّبيه

    وإن صلب مئات الأعوام

    يأتي زاده الأوّليّ من القصص المشتهاة

    يدوزن أنخاب الصّدى

    قالت :"رأيت القمر والشّمس له يسجدان "

    تثاءبت أوراده وغطّت في المواجع ...

    يأتي بطقوس لم تألفها ...ويستنهضها أن تهمّ به وجعا عن وجع فتنسى الدّعاء

    يأتيي وقد أسهب في الرّحيل ...يتأوّد خطو الذّئب ...ململما أشلاء ماض مزّقته أنياب البرد

    يحاصره فعل الإتيان

    يأتي من صخب الأمكنة

    من ميقات الرّجفة الحبلى وطنا

    يأتي كالمستعيد زهرة الحلم من تفجّع عشبة صدر الرّحيل

    تلك أنباؤنا

    نحمّلها وهدة التّأمّل المرتجاة على نخب الانبعاث

    ونملؤها مقلة الأمّ حينما تفيض بغدران الصرخة الأولى

    نأتي من حيث لا نأتي

    نصّاعد أفق الحقيقة فنحبلها إمعانا في الارتقاء

    نثلج صدر المعنى

    نبرق للأوّلين كيف نعبق بأنفاسهم

    كيف يسترسل التّاريخ في الاستيقاظ

    نأتي من حيث لايحتسب

    متزمّلين عباءة الإقدام

    نحتشد بالظّن ملاذا

    نعيد تراتيلنا

    نعلي من صرح نخلة شاهدة على حلولنا الفالق للصمت

    نأتي ولا ننسى تفاصيلنا

    وقد اعتكفنا شطرنا

    نتواتر في المجيء

    ما يغيّرنا كلفنا

    وما نهلنا ما يسطرون

    وحدنا نأتي فرادى

    نشيّع للأرض أزكى الدّماء

    ونملؤها بانتصاراتنا على المجاز

    فنسحب من الغموض تجلينا

    ونرفل في الصياغة على غير مثال

    نأتي وفينا النّكهة العصيّة على سوانا

    نأتي فتمتثل الكائنات

    ونأتي ...كي نأتي أبدا

    الجمعة، 16 ديسمبر 2011 | نشر بتاريخ

    بقلم/ اياد البلداوي

    لانك معجزتي الأخيرة
    قطاف سنين طويله
    بعد ما أوشك العمر ينفذ
    جئتِ غوثا
    لشاعرٍ قنوط
    توالت عليه الحادثات

    كنت أحلم الصعود الى هناك
    حيث لا تزدحم النفس مع النفوس
    كنت غريرا
    جموحا
    اهمط الامور دون انحناء
    سُقيت الحق
    أرضعوني الصدق
    درسوني التعفف
    لطيب القلب والروح لم اتحرّز

    أرادوني خوانا لصحبتي
    يدركون مبادئي غير مبادءهم
    اختلقوا ودبروا
    تربصوا بي
    وكانت زنزانتي قبرا
    امعنوا في تعذيبي ولم يفلحوا
    غادرت بقعة اسمها العراق
    ثمان سنين وعشر
    والدموع تمطر
    والقلب يعتصر
    ساعة فراق تنتزع فيها الروح

    سنين غربة ...
    حنين لبغداد العقول...
    جرح لم يندمل...
    أكتم ألمي...
    امعن في قهقهتي لئلا يحزن حبيب
    وها أنتِ اليوم حبيبتي
    ترممين السنين الخاويات
    تعيدين للروح الحِجى
    تمنحيني ريح الحب
    تنثرين عطركِ بيني
    احلق بكِ في فضاء السموات
    أصرخ هنا حريتي
    وذي معجزتي


    شباط/2011

    الخميس، 1 ديسمبر 2011 | نشر بتاريخ

    الى احابيل الزمن
    لا يسترد الثعبان جلدا منسلخا


    المسافة الذكورية من رحلة:-
    بعيداً عن شجرة نيوتن
    قريباً من التفاحة


    حيث لا اراه
    رائحة الخبز
    و ثوبها المتعب
    المشبع عرقا
    حاصرني
    عند طواحين
    هولندا
    وفي غابات السويد
    ------------
    مع الستارة
    يرف
    مع الجفن المقيد
    الى معضلة اليقظة

    ثمة دائما
    من يتوهج في الليل
    حائرا
    يتساءل عن جدوى
    الشروق
    وعتمة ليل مغروس
    دون حياء
    بينه
    و بين النهارات!!
    -------------
    رأيتكِ
    ذراعين للأساور
    وثغرا للقبل
    ودهليزا للولوج
    وقلبا للحراب
    ولم أر عينيكِ
    بعد!
    -------------
    في ليلة ما
    إقترف الشعر
    وكانت قصيدته
    إمرأة

    وفي الاخرى
    اقترف حزنه
    وكانت دمعته
    حبلى

    في الثالثة
    كان المخاض
    عسيرا
    على طاولة
    القمار
    -------------
    غادريني
    لم يعد بين يدي
    من ندى
    يباغت
    فجرك اللذيذ
    -------------
    تنهشها الدهشة
    محطته الاخيرة
    كسحابة غادرها
    جموح المطر

    انها لا تعني
    ابدا
    أن الرحلة ستنتهي
    عند مضاربها
    المهلهلة
    ------------
    في عينيها
    تلاطمت أحلامه
    كبحر فقد عذرية
    سواحله

    على رمل جسدها
    قذف بكل رغوة
    الضياع

    صباحا
    لم يحدق طويلا
    في لوحتها
    المنحدرة
    على
    خد
    الجدار !!
    ------------
    بحر لا يتكلم
    واخر يقول كل ما لديه
    وهو جالس
    عند قدميها
    على الساحل
    ابدا
    ------------
    سكبت
    كل عسلها
    على شفتيه

    لم يجد بدا
    من اللعق المتأجج
    والمغادرة الباردة

    الشاعرة: ماجدة الغضبان - العراق - " وكالة أخبار المرأة "


    الثلاثاء، 22 نوفمبر 2011 | نشر بتاريخ

    وجدت من الكتب الصادرة حديثا الرواية الأولى لمالك بن نبي "لبيك" معربة عن الفرنسية، ومنشورة عام 1430 هـ 2009م، في: 156 صفحة من الحجم الصغير، عن دار الفكر في دمشق، وكانت مرت سنين وأنا أتمنى لو قرأت هذه الرواية الوحيدة للكاتب، لأنها تظهر في قائمة كتبه التي قرأتها إلا هذه الرواية التي بقيت مدفونة في اللغة الفرنسية لأكثر من ستين عاما، ولأننا عرفناه كاتبا جادا صارما لا مجال عنده لتنميق القول أو كثيره أو غثه، كما يحدث كثيرا للروايات. مع أن كتابه "مذكرات شاهد القرن"، نمط راق للكتابة الأدبية، وهو عنده نوع وسيط بين التاريخ والأدب، فقد حافظ على روح الأدب والتاريخ في السيرة الذاتية، وهي أحسن إخراجا ومحتوى من "طفل من القرية"، الذي كتبه مبكرا الأديب الناقد سيد قطب.

    هذه الرواية كانت عمله الثاني في قائمة نشر أعماله، فقد أصدر عمله المهم: "الظاهرة القرآنية" عام 1946م، وبعد عام (1947م) أصدر هذه الرواية، وكلا العملين بالفرنسية، ولم تلن العربية له ليكتب بها إلا في وقت متأخر بعدما هاجر لمصر وطور لغته.

    ترجم الرواية زيدان خوليف، الذي كتب اطروحة الدكتوراة في السوربون عن مالك بن نبي، وهو واحد من قائمة الباحثين الذين كتبوا عن مالك رسائل جامعية عديدة في البلاد العربية وفي أوربا وأمريكا، ولم يزل تتابع هذه الأبحاث منذ ثلاثين عاما.

    في رواية "لبيك" حشد روحي جميل استطاع أن يصف فيه حجاج الجزائر والمغرب، وسفينتهم، وأن يقص القصة من خلال تائب يتوب فجأة، ويستطيع أن يلحق بالسفينة وطفل يفلح في أن يتسلل إليها بعد رهان مع الأطفال في الحيّ أن يلحق بالمركب ويحج مع الحجاج، وتنوء الرحلة بوصف النيات الطيبة والمعرفة القليلة، والتوبة الصادقة، مما جعلها رحلة حج وثيقة الصلة بشخصيات الرواية، ووثيقة الصلة بكاتب لديه روح تحنّ للحج وللرحلة وللتوبة، وتنتقد الساخرين بالحج من الغربيين ممثلين بـ(ربان السفينة).

    إنها تمثل رحلة روحية، وتعبر عن هيام المسلم بالحرم، ومنازل الأسلاف، أحيانا يشدك النص وتتعاطف مع شخصيات الرواية، ويكاد يجعل بدنك يقشعر رحمة وتعاطفا مع قروي أو بدوي يعنو من بعيد ليلحق بسفينة الحجاج على الشاطئ التونسي، ثم يرده الأمن من السفينة، لأنه لم يستكمل أوراقه فيحاول ويمسك به الناس وتتحرك السفينة وهو يصرخ شاكيا مناديا ومشهدا لرسول الله إنه جاء صادقا راغبا من مكان بعيد ولكنهم لم يسمحوا له بإتمام الزيارة إلى بلد الحبيب.

    رواية قصيرة ليست بذات مكانة كبيرة إلا لمن يحب أن يعرف كتابة مفكر عملاق في صورة أخرى عندما حاول أن يمارس فن الرواية، ثم لم يتابع في هذا الطريق، ولعله أدرك في هذا العمل أن الرواية ليست مما يصلح له فتركها إلى غير رجعة، إذ الرواية لا تسمح بزحام الأفكار، بل تعنى بصنع الشخصيات وبالصور والخيال واللغة، ولعلها أثقلته فتركها، ولكنها قياسا على نجابته الفكرية مغامرة متعبة للتنقل بين طرفي الموهبة.

    عمل المترجم جهد مشكور، غير أن النص كان محتاجا للتحرير، وقد تمنيت لو اعتنى المترجم بعمله أكثر وأتقنه، فقد ظهر النص عليلا أحيانا، وأشك أن يكون الأصل كذلك، فأنت مثلا تجد عبارة كقوله: "فظهر شخص مرتديا لباسا أبيض تاركا خلفه صفق الباب نصف مفتوح واتجه بخطا صغيرة.."، ص 32، فماذا تفهم وماذا تصحح أو تتوقع أنه الصحيح؟، وقوله: "خيم ضباب خبازي على الزقاق؟" ص 52، و: "سماء لونها خبازي"، ص 53، أو: "تكوم على كتفي الباب"، ص 52، أو عبارة: "فليكافئك الله على صنيعك" ص 118، فهذه العبارة ليست في سياق الاستخدام العربي فضلا عن لغة الحجاج، بل أبقاها في لباس العجمة، فهل يقصد جزاك الله خيرا؟، وكذا: عبارة "دلو القهوة" ص 119، لم يسبق لعربي أن جعل للقهوة "دلوا"، فهل كان يدّلي من ماء البحر وهو على السفينة أو من بئر، ألم يجد المترجم كلمة عربية تقترب من مراد الكاتب كـ"إبريق"، ولو أبعد، فقال "قدر القهوة"، لكان أقرب لماعون تطبخ فيه القهوة ويتساهل مع المسافر لقلة مواعينه، والدلو من الجلد قديما أو البلاستك الآن، ولم تكن القهوة تحضر فيه، أو يبحث عن شيء مقارب.

    لقد حز في النفس أن نصا لمالك كان يستحق أحسن من هذا الإخراج، ومالك هو من هو في احترامه للغة العربية، وكان مهووسا بها يتمنى أن ينقي لغته لتبلغ آفاقها، وكان يعشق اللغة العربية وتراثها مما جمعه في مجالس عشاقها، كمحمود شاكر، وكان من شهود مجلسه، وكذا تعمقه في اللغة الفرنسية لا يخفى، لقد أصيب عمل مالك في هذا النقل بداء زماننا من ضعف اللغة لا الكاتب.

    ختاما، لقد حافظت الترجمة على السياق الفني في رواية غربية الأسلوب إسلامية الروح، وأشكر للمترجم أن أخرج لنا هذا النص من ظلام النسيان، وقد غاب ثم عاد لأهله زمنا طويلا، بعد عودة صاحبه الذي لم يغترب روحا ولا فكرا وإن تغرب ببدنه طويلا.

    بقلم د. محمد الأحمري/ مجلة العصر

    الاثنين، 21 نوفمبر 2011 | نشر بتاريخ

    قليلة جدا هي أخبار ركن الدين الوهراني المنسوب إلى مسقط رأسه مدينة وهران بالغرب الجزائري.. مع أن أحواله في الكتابة عجيبة، ومدى الخيال في رسائله عريض فسيح، وباعه في النقد والسخرية والتجريح والصراحة طويل؛ فلم يكن يخشى انتقام وزير أو سطوة أمير، يمزج في كتابته بين أسلوب الرسائل في الديباجة و مراعاة الألقاب، على سبيل السخرية والتهكم، وأسلوب الخطابة في الجدل والاحتجاج بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشعر والأمثال، في سياقات مناسبة كثيرا ما يختلط فيها المدنس بالمقدس، وبأسلوب المقامة في ربط الأحداث بعنصر المكان، دون التقيد بباقي عناصر كتابة المقامة المعروفة، وبأسلوب كتابة الرحلة التي كانت دائما توحي للوهراني بمشاعر الغربة والوحشة والتبرم من الناس، وخاصة بعد إخفاقه الذريع في رحلته إلى بلاد المشرق، وكساد بضاعته الأدبية هناك عندما قامت دولة الكتابة الفاضلية التي لم يكن يشق لها غبار.
    وعندما تجرع مرارة الخيبة تحول عن الجد إلى الهزل، وجنح في كتابته إلى السخرية من الزمن و أهله وأمكنته، وإلى التصوير الكاريكاتوري الفاضح للعورات النفسية والجسمية والعقلية لكثير من شخوصه الذين سلط عليهم جام غضبه، ولم يتورع عن ذلك حتى عند مخطابته لكبار زعماء عصره، كنور الدين محمود الشهيد الأتابكي، وخلفه صلاح الدين الأيوبي، رغم ما عرف عنهما من سداد وصلاح، ثم بقية وزرائهما وأعوانهما الكبار من قبيل القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني والعماد الكاتب الأصبهاني، فما بالك بمن هم دون ذلك، أو من هم على شاكلته من الكتاب والفقهاء والعلماء والأدباء العاديين الذين كان يحلو له دائما أن يلهو بهم ويعبث بسيرتهم.
    فكل واحد من رجالات عصره الذين عرفهم، عن بعد أو عن قرب، قد أصابه ما أصابه من لسان الوهراني الساخر، تارة بالتصريح، وتارة بالرمز والتلميح، حتى صار أسلوبه معروفا لدى القاصي والداني، كما يدل على ذلك كلام ابن خلكان في هذه السطور القليلة التي خصصها له، عندما أفرد له ترجمة في كتابه (وفيات الأعيان)، وقد أثنى فيها ثناء كبيرا على أدبه الغزير الذي يشمل رسائل ومقامات ومنامات.
    والمنامات فن شبيه بالمقامة والرسالة، نهج فيها نهج المعري في رسالة الغفران، في افتعال الأحداث الأخروية عند الحشر، وقد تميز الوهراني بها عمن سواه من الكتاب، وخاصة منامه الكبير، قال عنه:
    أبو عبد الله محمد بن محرز بن محمد الوهراني الملقب ركن الدين، وقيل جمال الدين؛ أحد الفضلاء الظرفاء، قدم من بلاده إلى الديار المصرية في أيام السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، وفنُّه الذي يمت به صناعة الإنشاء، فلما دخل البلاد ورأى بها القاضي الفاضل وعماد الدين الأصبهاني الكاتب وتلك الحلبة علم من نفسه أنه ليس من طبقتهم ولا تنفق سلعته مع وجودهم، فعدل عن طريق الجد وسلك طريق الهزل، وعمل المنامات والرسائل المشهورة به والمنسوبة إليه، وهي كثيرة الوجود بأيدي الناس، وفيها دلالة على خفة روحه ورقة حاشيته وكمال ظرفه، ولو لم يكن له فيها إلا المنام الكبير لكفاه، فإنه أتى فيه بكل حلاوته، ولولا طوله لذكرته، ثم إن الوهراني المذكور تنقل في البلاد وأقام بدمشق زمانا، وتولى الخطابة بداريا، وهي قرية على باب دمشق في الغوطة.
    وتوفي في سنة خمس وسبعين وخمسمائة (575 هج) بداريا، رحمه الله تعالى، ودفن على باب تربة الشيخ أبي سليمان الداراني. نقلت من خط القاضي الفاضل: وردت الأخبار من دمشق في سابع عشر رجب بوفاة الوهراني.
    وهذا الآن، نص رسالة الوهراني العجيبة في مضمونها وأدائها، وقد جاءت على شكل محاورات تأخذ شكل مكاتبات ومجاوبات شبيهة ببعض الفصول المسرحية، وتبدأ ديباجتها بسرد الراوي المجهول لوقائع الأحداث الأولى، على طريقة بناء المقامة الذي يتبع في الأصل أسلوب المحدثين في إسناد الخبر.
    ثم يمضي الوهراني بعد ذلك في نسج خيوط قصته أو حكايته تدريجيا، حتى يصل بها إلى نهايتها المحتومة.
    وقد أسند بطولتها بطريقة رمزية إلى جامع (جلق) وهو جامع بني أمية الكبير في دمشق، وتحت سلطته تنضوي بقية مساجد دمشق ومشاهدها وأضرحتها.
    وقد اجتمعت كلها عند هذا المسجد الجامع الذي كان لها بمثابة الملك، للمشاورة والمحاورة، وليدلي كل طرف بشهادته، في أداء خطابي، وبطريقة تناوبية وتراتبية، على سوء أحواله وضياع حقوقه، ثم بعد ذلك تتوحد كلمة المسجد الجامع مع من تحته من الأضرحة والمشاهد في خطاب واحد شاهد على لسان حالها، ثم يرسل إلى القيم على شؤونها، وهو سعد بن أبي عصرون، لعله ينظر في أمرها ويصلح ما اختل من بنائها.
    وعندما فوجئت المساجد برد ابن عصرون المخيب لآمالها اضطرت إلى رفع أمرها إلى الملك العادل نور الدين محمود الأتابكي، وعندها فقط يأتي الفرج على يد هذا الملك العادل الذي سيرفع عنها ما كان قد حل بها من إهمال ونهب لحقوقها وأوقافها، وليعزل ابن عصرون الذي اتهمه الوهراني بتعطيل مصالحها.
    لقد بنى الوهراني رسالته على هذا الشكل لتأتي متطابقة مع حقيقته الشخصية، فقد كانت حياته في المشرق شديدة الصلة بالمساجد والمشاهد والأضرحة التي كانت ملاذه الأول في مرحلة الضياع والتشرد وفي مرحلة الانتعاش والاستقرار، عندما انتبه بعض الفضلاء إلى علمه وفقهه، فأسندوا إليه الخطابة في مسجد صغير بقرية (داريا)، وهي ضاحية من ضواحي دمشق المدينة التاريخية الشهيرة.
    وقد ساءه حاله كما ساءه حالها، وكانت غربته جزء من غربتها عندما آل أمرها هي الأخرى إلى الإهمال والضياع. إنه مظهر من مظاهر توحد الفقيه العربي عامة والمغربي خاصة بالأماكن المقدسة في جغرافية العالم الإسلامي، ولطالما كانت تلك المساجد وتلك المشاهد والأضرحة الملاذ الأخير لكثير من المنبوذين والمثقفين والمهمشين في تاريخنا القديم، فهل كانت رسالة الوهراني هذه نوعا من الوفاء بحقها تجاهه عندما رعته وآوته، في الوقت الذي تحاماه الناس وجفوه وأقصوه؟؟!!
    وهل ينتبه إليه الدارسون المعاصرون، بعد أن صدرت مجاميع كتاباته، منذ سنة 1968م، ثم ليطويها بعد ذلك النسيان،عدا بعض الإشارات العابرة هنا وهناك!!

    نص الرسالة:

    قال بعض العارفين بطريق الانتحال على لسان الحال:

    لما تحكمت يد الضَّياع في مساجد الضِّياع، وأُرْتِج باب العدل وغُلق، ونُبذ الكتاب وخُلق، فزعت المساجد إلى جامع (جِلَّق)، وهو يومئذ أميره، وعليه مدار أمرها.

    فلما اجتمعوا على بابه، ودخلوا تحت قبته ومحرابه، كتب له جامع (النَّيرب) قصة إليه، وسألوا عرضها عليه، وكانت الرقعة مسطورة على هذه الصورة:

    المماليك ـ مساجد الكورة ـ يقبلون الأرض بين يدي الملك المعظم، البديع الرفيع المكرم، كهف الدين، جمال الإسلام والمسلمين، مدفن الأنبياء والمرسلين، ملجأ الفقراء والمساكين، مأوى الغرباء والمقلين، بيت الأتقياء والصالحين، معبد الملبين، صاحب الدواوين، بِنية أمير المؤمنين.أيد الله أنصاره، وأعلى مناره، وعمر بالتوحيد أقطاره، وينهون إلى مجلسه السامي ما يقاسونه من جور العمال، وتضييع الأعمال، ونهب الوقوف، وخراب الحيطان والسقوف، قد لفهم الظلم والظلام، وأنكرهم المؤذن والإمام، فلا تسمح لهم حسيسا، ولا ترى فيهم أنيسا، إلا آذان البوم، وتسبيح الغيوم، وقد ركعت حيطانها، وسجدت سقوفها وأركانها، وانصرفت من الصلاة أربابها، وسكانها تنوح عليهم الأجراس والنواقيس، وترثي لهم البيع والنواويس:

    يرثي له الشامتُ مما به
    ياويح من يرثي له الشامت

    وقد فزعنا أيها الملك إلى بابك، وأوينا إلى جنابك، فافعل معنا ما هو أولى بك، ورأيك العالي والسلام.

    فلما وقف الملك على هذه الشكاية، وعلم بمقتضى هذه الحكاية، استوى جالسا من مقعده، وضرب بيده، وقال: كيف وأنى أم للإنسان ما تمنى، ثم رفع صوته وغنى:

    وما شرب العشاقُ إلا بقيتي
    ولا ورَدوا في الحب إلا على ِورْدِي

    ثم اشرف الملك من إيوانه بين جنده وأعوانه، فاستقبلنه بالسلام والتحية والإكرام، وأقبل وهو يقلب طرفه في الجموع، ويكفكف أسراب الدموع، لما يرى من اختلالهم، وفساد أحوالهم، ثم رد عليهم السلام، وأذن لهم في الكلام.

    فابتدأ جامع( المُزة) المقال، وتقدم بين يدي الملك وقال:

    الحمد لله الذي قضى علينا بالخراب، وصير أموالنا كالسراب، وجعلنا مأوى البوم والغراب، أحمده حمد من كان فقيرا ثم استغنى، وأدرك بمال الوقوف ما تمنى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده المكين، ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأكرمين، أما بعد:

    أيها الملك السعيد، ثبت الله قواعد أركانك، وشيد ما وهي من بنيانك، فإن الخراب قد استولى على المساجد، حتى خلت من الركع والساجد، فأصبحت مساجد (الغوطة) غيطان لا سقوف لها ولا حيطان، وجوامع (حوران) مخازن وأفران، ومشاهد(البقاع) صعصعا كالقاع، فكم بِنْيَةٍ لعب الجور بأثوابها، فنسج العنكبوت على بابها، وكم بيوت لله غلقت دون أصحابها، فعشعش الحمام في محرابها ( فمن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها).
    وقد دخل أيها الملك على الوقوف، بحجة العمارة والسقوف، فاختلفت فينا الأهواء، واتفقت علينا الأنواء، فلا يزال المسجد ينهار، وتأخذه السيول والتيار والأنهار حتى يمتحى رسمه، ولا يبقى منه إلا اسمه، وأنت أيها الملك عمادنا، وإليك بعد الله معادنا، فاكشف عن حالنا، وانظر في صلاح أحوالنا، يصلح الله أحوالك، ويسدد أقوالك، والسلام.

    فقال الملك: قد سمعنا كلام المساجد، فما بال المشاهد؟!!

    فبرز مشهد (برزة) متوكئا على مشهد (الأرزة)، وهو يصلصل ويصول، ويلطم وجهه ويقول:

    كلما حاولت أشكو قصتـي
    لا ألقى غير ذي قلب جريح
    يتشكى مثل شكوى مِحنتي
    يالَقومي ما عليها مُستريــح

    أما بعد، أيها الملك السعيد، أدام الله جمالك، وبلغك في عدوك آمالك، فإن مقام (إبراهيم) أصبح في كل واد يهيم، ومغارة (الدم) لا تستفيق من الذم، ومشهد (الكهف) لا يفتر من اللهف، ومشهد (هابيل) قد رمي بطير أبابيل، ومشهد (شيث) قد استأصله الخبيث، ومشهد (نوح) نبكي عليه وننوح، وقبر(حلة) ما لنا فيه حلة، وقبر (إلياس) قد وقع منه اليأس، فلحقت المشاهد بأربابها، وأمست رميما كأصحابها، قد محتها الغوادي، وحدا بها الحادي:

    جرت الرياح على محل ديارهم
    فكأنهم كانوا على ميعــــــاد

    فتنحنح الملك عجبا، وحرك رأسه طربا، وقال:

    رب طارق على غير وعد
    وفي كل واد بنو سعــــــــــد

    ثم استفتح المقال بأن قال:

    الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، نصب العدل وسواه، وأمده بعونه وقواه، ( فمن أضل ممن اتبع هواه )، فأهواه بسلبه وأضله على علم، وختم على سمعه وقلبه، أحمده على ما رزقني من الاحتمال، وأشكره على ذهاب العرض والجاه والمال، وأشهد أن محمدا عبده المختار، ورسوله الصادق البار، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، أما بعد:
    يامعشر المتكلمين، وطائفة المساجد المتظلمين، إنه والله لا ينتهي إليكم من الجور إلا ما يَفضُل عني، ولا يصل إليكم إلا ما يُستعار مني، فلولا أن أركاني سليمة، وبِنْيَتي قديمة، لأصبح جامع بني أمية يُغنى عليه: (يادار مية)، وقد والله شَِرقت بغُصتكم، وحِرت في قصتكم، إن رفعت أمركم إلى الملك العادل، ردكم إلى الشيخ الفاضل، فلا يراعي لكم حرمة، ولا يكشف لكم غمة، ولا يرقب فيكم إلا ولا ذمة.

    شكوى الجريح إلى الغربان والرخم

    والرأي عندي أن تكتبوا إلى هذا الشيخ قصة، ولا تتركوا في صدوركم غصة، وأن في الكتاب أنواعا من العتاب، فإن التأم رأيه برأيكم وإلا فالسلطان من ورائكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    فنادوا بالغلام، فأتى بالدواة والأقلام، فقال: استعذ بالله من الشيطان الرجيم، واكتب:

    بسم الله الرحمان الرحيم، من ملك الجوامع ب(جيرون) إلى سعد بن أبي عصرون:

    لقد أسمعت لو ناديت حيا
    ولكن لا حياة لمن تنـــــادي

    أما بعد:

    ياغدار، لقد هيجت الألم، وأبهمت الظلم، ومن استرعى الذئب فقد ظلم، طالما تغافلنا على خيانتك، وتغاضينا عن جنايتك، حتى اكتنزت الأموال واختزلتها، وجمعت الذخائر واعتزلتها. من أجل هذا كانت سِياحتك، ولأجله طالت نياحتك، وبسببه كنت تسيح وتصيح، حتى غبطك المسيح، لقد عجبت أيها الشيخ من مُحالك في ابتداء حالك، ومن فساد دينك وضعف يقينك، صليت بالمسوح والقيد حتى ظفرت بأنواع الصيد، وتقلدت بالقرون والعظام حتى تقلدت الأمور العظام أن كنت في هذا العمل إلا كما قيل في المثل:

    صلى وصام لأمر كان يأمله
    حتى حواه فما صلى ولا صاما

    وعرِّفني أيها الشيح المفتون، والبائع المغبون: لم بعت الآخرة بالدانية، والباقية بالفانية؟! إن فعلت هذا إلا لِعلة أو لتحقيق مِلة، إما أن تكون قد استطبت (السكباج)، واستلنت الديباج، وإما أن نصدق أهل الأحقاد في أنك نُصيري الاعتقاد، لا تقول بالنُّجعة، ولا تصدق بالرِّجعة، وكلاهما أنت فيه ملوم ومُعاقب ومذموم، وحسبك، وقد بلغني عنك ما أنت عليه من قلة الوفاء لهؤلاء الضعفاء، فاحسم عني أدواءهم، ولا تمكِّن منهم أعداءهم والسلام.

    فلما وصل الكتاب إليه، وقرأ ما انطوى عليه فكر وقدر فقُتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس، ثم أدبر واستكبر، ثم لعن المساجد وبانيها، وشتم المشاهد وقانيها، ثم قلب الرقعة وكتب فيها:

    بسم الله الرحمان الرحيم، وصلت رقعتك ـ أصلحك الله ـ كأنها ضربة موتور، أو نفثة مَصْدور، وتخلط فيها الهَزل بالجِد، وتبدي غيظ الأسير على القيد، وأيْمُ الله لقد قَرَفت سَِريا، وقذفت بريا، وجئت شيئا فَِريا، فاشدد من عِقالك، وتأيد في مقالك، فما كل شكل يذم شكله، ولا كل طائر يحِل أكله، ، وما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء فحمة، ولو كان لك عقل يُهديك، أو رأي يَهديك لواريت أُوارَك، ولسترت عوارك، أليس قد اشتهر عند الداني والقاصي بأنك قطب ما يتم فيك من المعاصي، حتى لقبوك بسوق الفسوق، وميدان المروق، ورحاب القحاب، حتى قال فيك القائل:

    تجنب دمشق فلا تأتها
    وإن راقك الجامع الجامع
    فسوق الفسوق به قائم
    وفجر الفجور به طالــــع

    فلا جرم أن الله قطعك بالطريق، وعاقبك بالحريق، وجعل الميض على أبوابك، والزط في قبلة محرابك، وعذبك بالنيران، وقرنك بأشر الجيران، وجعل خطيبك أتوها دائصا، وإمامك أعمى ناقصا، فلو أنك البيت المعمور لهجرت، أو حرم مكة لما حججت، فقف عند مقدارك، وانظر في إيرادك وإصدارك، والسلام.

    فلما وقف الجامع على رقعته، ورأى ما فيها من رقاعته قام وقعد، وأبرق وأرعد، وقال: اكتب ياغلام، باسم الملك العلام:

    من العاتب الواجد إلى الملك الزاهد، قال الحائط للوتد: لم تشقني؟ قال: سل من يدقني، لم يتركني ورائي الحجر الذي ورائي، أما بعد:

    أيها الملك العادل، أدام الله أيامك، ونشر في الخافقين أعلامك، فقد طاولت بعدلك القمرين، وسرت سيرة العمرين، وأنت تعلم أن الله قد طهر بقعتي وكرمها، وشرف بنيتي وحرمها. طالما زوحمتُ بالمناكب لما كنت هيكلا للكواكب، وكم أمسيت مشكاةً للأنوار، وبيتا لأستقص النار، ثم انتقلت إلى اليهود بعد انقراض ملة هود، فتأنست بالزبور، وبالأنبياء في القبور، ثم جاءت دولة الصلبان فقربت بالقربان ومعاشرة الرهبان، ثم جاء الإسلام فتشرفت بدين محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فأنا المُشَرَّف في كل قرآن، والمعظم في كل أوان، فكيف يسعك ـ أيدك الله ـ أيها الملك المتغافل عن حالي، والمتحيِّن لنهب أموالي، ويدك مبسوطة في العباد ومطلقة في جميع البلاد.
    ما يكون جوابك يوم النشور إذا بعثر ما في القبور، وقد أُوقفت موقف الذليل بين يدي الملك الجليل؟ وأقول: أيْ رب سل هذا لمَ أهملني، وسلمني لمن أكلني! فلا ترد جوابا، ولا تجد خطابا، ولا أقبل منك جميلا ولا كفيلا، ولا أقبل عنك شفيعا ولا وكيلا، فتقول: ( ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، ياويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاء وكان الشيطان للإنسان خذولا).

    فقدم أيها الملك السعيد لنفسك ما تجده غدا في رمْسك، وخذ هذا المذكور في الحساب قبل يوم الحساب، فتَبْرأ من التباعة، وتدخل في أهل الشفاعة، والسلام على من حمى مساجد الإسلام ورحمة الله وبركاته.

    فلما وقف الملك العادل على كتابه، وتجرع كأس عتابه التفت إلى المساجد فرثى لهم وسدد أحوالهم، ولما علم فحوى شكايتهم، وعرف كنه قضيتهم أزال عنهم ظلمهم، (وأسرها يوسف في نفسه، ولم يبدها لهم)
    ثم نظر إلى ابن أبي عصرون فأنزله واعتزله، وحجبه عن بابه واختزله، وألقاه في سِجن الصدود، وخلده إلى يوم الخلود، وقرأ عليه: (ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود). والسلام.

    هامش: (1) النص مقتبس عن كتاب : مقامات الوهراني ومناماته ورسائله ، ص 61 وما بعدها. تحقيق إبراهيم شعلان ومحمد نغش، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، مصر 1968م. الجمهورية العربية المتحدة.

    بقلم/ عبد اللطيف المصدق



    الثلاثاء، 22 مارس 2011 | نشر بتاريخ