تحميل...

منوعات

جديدنا في بريدك

    اشترك في نشرتنا البريدية:

حوار إنسان

كلام من القلب

  • المزيد »

قراءة في عنوان

  • المزيد »

مقال الرأي

قضايا وملفات

صورة وتعليق

مقالات مترجمة

رسالة إلى المعني

قالت الحكاية

فن وثقافة

أخبار ومتابعات

    كامل الشيرازي الجزائر: يقدّر الباحث الجزائري "محمد بغداد" إنّ العرب ماضون نحو الإفلاس، ويلفت بغداد في كتابه "الفتنة الصغرى الفتوى الفقهية في زمن الثورات العربية" الصادر حديثا بالجزائر، إلى أنّ صراع النخب الدينية ونظيراتها العلمانية سيزيد الاحتقان في المنطقة سيما مع تغييب الحوار، وعدم تحقيق الثورات العربية لأهدافها.
    تعرّض كتاب "الفتنة الصغرى الفتوى الفقهية في زمن الثورات العربية" (285 صفحة)، إلى منشئيات ما يسمى بـ(الربيع العربي)، وربطها رأسا بالتعاطي الحاصل مع هذا (الربيع) واحتدام الصراع بين النخب الثقافية والدينية العربية.
    في تصريحات خاصة بــإيلاف، ذهب بغداد إلى أنّ الصراع المذكور آخذ في الاتساع وسط تحولات الثورات العربية التي تزحف من بلد إلى أخر، وكلما انتهى في موقع إلا وترك خلفه ركاما رهيبا من التداعيات والتحديات لم يكن في الحسبان.
    سجّل بغداد إنّ الثورات العربية اندلعت على غفلة من النخب، دون أن يكون لأحد استعداد أو توقع لقيامها، بعدما يئست كل التيارات والنخب من شيئ اسمه إرادة المواطن العربي، الذي تمكنت منه الأنظمة السياسية، ودمرت كل شيئ فيه بداية من لقمة العيش مرورا بالتجهيل وصولا إلى تجريده من الكرامة الإنسانية، وهو الأمر الذي قسّم النخب العربية إلى جبهتين:
    الأولى نخب علمانية احتمت بالأنظمة وعاشت في أجواء خطاب الغرب وصدّقت سطوته، وانتظرت وعوده بالتدخل لكبح عربدة الأنظمة، والقضاء على خصومها، وبالرغم من تنوعها بين اليساري والليبرالي، إلا أنها لم تتفطن إلى التآكل الرهيب الذي كان ينهش جسدها الداخلي ويفقدها سمعتها في الميدان.
    الثانية نخب دينية بقيت متمسكة بخطابها، وسعت إلى القيام بعمليات التحيين واستغلت الظروف المأساوية والإمكانيات التكنولوجية، إلا أنها لم تفقد الأمل نهائيا في المواطن وسارت بالاتجاه الذي تلبي فيه بعض حاجاته، وبالتحديد الاجتماعي والنفسي، مما جعلها تمسك بخيوط اللعبة الميدانية، بالرغم من الضربات القوية والمؤلمة التي تلقتها عسكريا وأمنيا من الأنظمة، بتشجيع الغرب ومساندته، زيادة على حملات التشويه التي مارستها النخب العلمانية عليها.
    في خضم هذه السنوات العجاف، يوقن بغداد بأنّ الطرفين ضيّعا الكثير من الوقت والفرص، فبدل أن يكون هناك فضاء للحوار والجدل، حلّ محله التشكيك والاستقواء وارتفعت حدة الصراع والخصام، وهو ما أضاف المزيد من الاحتقان إلى المشهد الذي استثمرت فيه الأنظمة، وعاشت منه لسنوات مستغفلة الطرفين وفارضة عليهم منطق القوي، الذي يتحكم في الجميع، من خلال ضعف كل جهة، فقد ساهمت هذه النخب في تمديد عمر الأنظمة، ودفعتها إلى المزيد من التغوّل والاستبداد.
    المشكلة تكمن برأي الباحث في النتائج الأولية التي أفرزتها الثورات العربية، وبالذات اكتساح نخب الدين للبرلمانات، بفضل الديمقراطية الغربية مما أقض مضاجع النخب العلمانية، وجعلها تشن حملات واسعة للتشويه والتشكيك والتبشير بالفشل والدمار، إلاّ أنّ الرسائل التي تلقتها من الغرب لم تسعفها، مما جعلها اليوم تعلن، بأنّ هناك تحالفا قد نسجت خيوطه بين الإسلاميين والغرب، من أجل إدارة المنطقة.
    ووسط الانقسام الحاصل، لاحظ الكاتب أنّ هذا الصراع ناجم في أساسياته إلى نسق ثقافي قائم يرتسم في الخطاب الذي تحمله النخب، فالنخب الدينية تبشر بخطاب مفاده أن الله تعالى هو من أوصلهم للحكم، وهو من أذلّ خصومهم من الأنظمة والعلمانيين لأنّ أولئك ينادون بإبعاد الدين عن السياسة، وهو الأمر الذي فصّل الكتاب في أدلته من داخل هذا الخطاب، ولحد الآن – يضيف بغداد – تجتر نخب الدين خطابها المتغني بالإرادة الإلهية وقوتها في إدارة العالم، وأنّ التاريخ تسيره القوة الغيبية وليس إرادة الإنسان.
    في الجهة المقابلة يلاحظ المؤلف إنّ النخب العلمانية تصر على ضرورة السعي إلى الإطاحة بغريمتها الدينية، كونها استغلت بحسبها، الشعوب المقهورة من خلال البشارة الدينية، وأنّ الجهد سيكون في المستقبل مُنصبًا على مواجهة دامية بينهم وبين الإسلاميين، ونجد الكثير من الأصوات العلمانية اليوم تجتهد في تنبيه الغرب، وبالذات أمريكا إلى الخطأ الكبير الذي ترتكبه بتحالفها مع التيارات الإسلامية وأنّ العلمانيين هم الأقدر الذين يتم التعويل عليهم في هذه المهمة.
    ويحيل بغداد إلى أنّ الخطاب الذي يُسوّق في الجملة، جازم بأنّ التاريخ تصنعه القوة (الغيبية أو المادية) وينسى الجميع بأننا الأمة الوحيدة، التي تستحوذ على التخلّف وأننا الوحيدون الذي نعيش خارج التاريخ، وأنّ الأرقام القياسية في عالم الانحطاط نستحوذ عليها نحن، وأننا الأمة الوحيدة التي تحركها الأمزجة والنزوات الشخصية، وتحرم من الدراسات والأبحاث والخبراء.
    أبرز الكاتب تناسي الجميع بأنّ المشهد الثقافي والسياسي العربي متخاصم ومتضاد، فلا وجود لتفاعل حقيقي، ولا تعايش فكري ولا فضاء إبداعي، الكل يسعى وراء قراءات متخلفة وبعيدة عن الواقع، والذوق الطبيعي، والمنطق العلمي، والغريب في الأمر أنّ لا أحد يستشعر الاقتراب من الكارثة والزوال من الوجود.
    لذا فإنّ المؤشرات القائمة بمنظور بغداد، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، بأنّ الوطن العربي يتجه إلى محطة يفقد فيها كل شيئ فالثقافة السياسية الذكية والمتحضرة، تتقلص يوميا والإبداع السياسي يتناقص أو يقمع، تحت وطأة التدمير الذاتي، وما زالت القوى التقليدية من حيث العمر والأفكار، تتحكم في دواليب الحياة، والحرية تتضاءل والكرامة في زوال، لأنّ التعليم منهار والعمل مفقود والخدمات العادية منعدمة، وأغلب سكان الوطن العربي يعيشون تحت خط الفقر، ولا توجد مؤشرات توحي باقتراب الفرج، والثورات التي اندلعت لم تبلغ أهدافها وهي اليوم تجد نفسها محاصرة بالنخب التي تريد استغلالها والغرب الساعي إلى توظيفها.
    بغداد الذي تحفظ بشأن تسمية (الربيع العربي) بمبرر أنّ الأخير لا يزال محل جدل معرفي واصطلاحي، يرى إنّ الوجه الجديد الذي أظهره الإسلاميون، من خلال قبولهم أولا بالديمقراطية كأداة للعملية السياسية، وتخلصهم من تأثير التيارات الجهادية، فتح الأبواب على مصراعيها لمزيد من حلقات الصراع، فبدل أن يعتمدوا الحوار والاعتراف بالأخر، نجدهم يمارسون سلوك المنتصر الذي يتلذذ بتعذيب خصومه، مما يجعلهم يفقدون الكثير من الأوراق الرابحة في بداية العهد الجديد، في الوقت الذي نجد فيه النخب العلمانية تستعد لخوض غمار معركة قادمة، يكون توقيتها عندما يفشل هؤلاء في إدارة الحكم ويستغلون الأخطاء التي سيرتكبونها، بالسعي إلى قطع علاقة التحالف بين الإسلاميين والغرب.
    إلى ذلك، ارتأى الكاتب محمد بغداد وضع ظاهرة الفتوى الفقهية التي (صا...حبت) الثورات العربية تحت المجهر، حيث استعرض الفتاوى التي هيمنت على انتفاضات التغيير، وأبرز انشطارها إلى نوعين: الأول وقف مساندا وداعما ومحرضا على الانخراط في الثورات، ويتعلق الأمر بفتاوى رأت في التثوير واجبا دينيا يتعين على المسلمين أدائه، وسيؤجر عليه، مسوّغة المسألة بانحراف الحكّام المغضوب عليهم عن جادة الصواب.
    بينما اختارت فتاوى النوع الثاني نمط التحريم ولم تستثن في ذلك الاعتصام والتظاهر، متكئة على أنّ الإسلام دين يحظر الخروج عن النظم القائمة حتى وإن بلغت من الجور مبلغا، وجعلت هذه الفتاوى من عرّابيها نجوما في السماء العربية كل على طريقته، على منوال يوسف القرضاوي، عائض القرني، علي جمعة، أحمد حسون، عصام البشير، حاكم المطيري، محمد سعيد البوطي، عبد العزيز آل الشيخ، علي فركوس، وغيرها.
    وبحسب الأكاديمي المتخصص "بومدين بوزيد" فإنّ الكتاب شرّح ما سماه "فقه السياسة والجسد الافتراضي" عبر إعادته استقراء الموروث الفقهي الإسلامي من زاوية ميدانية توقفت عند تصادم المقدس المتوارث بالواقع القائم والمتغير، وهو ما جعل الكتاب أقرب إلى "المغامرة" على حد وصف بومدين.
    يُشار إلى أنّ محمد بغداد كاتب وإعلامي جزائري صدرت له كتب عديدة أبرزها: "صناعة القرار في الخلافة الراشدة"، "حوارية النص والفقيه"، "من الفتنة إلى المصالحة"، "الدولة والمجتمع في المغرب ال...إسلامي"، "إنتاج النخب الدينية في الجزائر"، "تماسين جوهرة الصحراء"، و"الإعلام الديني في الجزائر/ الخطاب والهوية" و"حركية الإعلام الثقافي في الجزائر".

    الثلاثاء، 28 فبراير 2012 | نشر بتاريخ



    بقلم: آمنة الرميلي-- تتعدّد المداخل إلى النصّ الإبداعي وتختلف السبل التي يمكن أن تؤدّي إلى ملامسة حركته الدّلالية وإلى رصد الخيارات التي ارتأتها الذات المبدعة في رحلتها الإنشائية ما بين بداية النص ونهايته. ويبدو أنّ كلّ نصّ يحمل اشتراطاته النقدية وعلاماته الفنية المميّزة التي تضيء مسالك النقد أكثر من غيرها وتلفت انتباه الناقد إلى صنوف من المقاربة دون غيرها. وقد يبوح النصّ المدروس بأكثر من مسلك من مسالك الدّلالة ولا يبقى أمام الدّارس إلاّ الاختيار.
    وقد استوقفنا في ديوان الشاعرة التونسية راضية الشهايبي "المسار الرقمي للرّوح" (البراق للطباعة والنّشر والتوزيع، ط1، ديسمبر 2010) علامات فنية مختلفة اخترنا منها علامتين، الأولى عامة شاملة لمادّة الديوان إجمالا والثانية ستكون أكثر خصوصية وتفصيلا وتحديدا، وسنعتني في الأولى بشبكة العناوين التي حوت المادّة الشعرية وحدّدت حركة الديوان الداخلية، ونظّمت مسالكه الدّلالية الكبرى، وفي الثانية نقارب طرائق الشاعرة في المراوحة بين الواقع المرجعي والأفق الخيالي لحظة الإنشاء من خلال النظر في قصائد القسم الرابع من الديوان الموسوم بـ"المسار الرقمي للروح".
    1 ــ شبكة العناوين
    تقرّ الدراسات النقدية (G.Genette, Seuils, Paris 1987) أنّ العنوان جزء مهمّ من بنية النص، وأنّه موصل دلالي فارق، وهو عتبة ضرورية على القارئ أن يفكّكها ليلج عوالم النصّ. بل يمثل العنوان مركز ثقل في متن النص فهو صدى له واختزال وتكثيف. فكيف اشتغلت راضية الشهايبي على عناوين ديوانها؟ وما هي طرائقها في بناء عتباتها الشعرية؟
    أ ــ توزيع العناوين
    تكوّنت شبكة العناوين في الديوان من عنوان أكبر وُسم به الديوان "المسار الرقمي للرّوح" ومجموعة من العناوين الداخلية هي أداة الشاعرة وإحدى آلياتها المهمّة في تنظيم مادّة الديوان والسيطرة عليها. وقد تكوّن الديوان من خمسة مقاطع كبرى كان من وظائف العناوين بسط تلك المقاطع وإعلان المعنى الرابط للقصائد التي تكوّنها وبناء شكل الديوان النهائي.
    وإذا ما كان الإبداع في جوهره لعبة لغويّة محدّدة فإنّ وراء كلّ لعبة نظام مخصوص وانتظارات بعينها، وقد كانت لعبة العناوين لافتة بأشكالها ومقاصدها في ديوان راضية الشهايبي. ومن وجوه ذلك أنّ الشاعرة لم تعنون كلّ مقاطع الديوان أو أقسامه، فقد جاء القسم الأوّل بلا عنوان على خلاف باقي الأقسام في حين حمل القسم الثاني عنوان "مدن الذاكرة"، والثالث "الجرعات القاتلة" وفيه جاءت القصائد هذه المرّة خالية من العنونة على خلاف باقي قصائد الديوان، ووُسِم الرابع بـ"المسار الرقمي للروح" أي بعنوان الديوان الأكبر، وحمل القسم الأخير عنوان "ذاكرة الأغاني". لقد حذفت الشاعرة العنوان في مواطن ونشرته في مواطن أخرى، وارتأت أن تكون بعض الأقسام معنونة وأخرى غير معنونة ممّا يدلّ على أنّ الأمر لا يخلو من قصدية بنيويّة ودلالية نحاول تبيّنها في ما يلي من هذه القراءة.
    ب ــ قراءة في العناوين
    1 ــ عنوان الديوان "المسار الرقمي للرّوح":
    خليط غريب هذا العنوان من مكوّنات متنافرة على الأقلّ في قراءتها الأولى أو في معناها الظاهر، فما الذي يمكنه أن يربط بين ما هو "رقميّ" جافّ قائم على المعادلات العلمية المحضة، وعلى الحاسوب والتّزرير والتخزين والنشر، وما هو "روحيّ" مجرّد، هائم في ملكوت الغيب؟ هل تقترح علينا الشاعرة في ديوانها مشروع مصالحة بين هذا وذاك أم سيكون الديوان صرخة روحية في وجه هذه المرحلة الرقمية الهائلة من تاريخ الإنسانية؟ أو لعلّ الأمر لا يعدو أن يكون حيلة فنية محضة تدرك الشاعرة وهي تنجزها أنّ الجمع بين "الرّقمي" و"الرّوحي" يحمل طاقة إثارة وتأثير، ويقدر على لفت انتباه القارئ منذ عتبة الديوان الأولى، فـ"الرقمي" و"الروحي" هما من أسئلة المتلقّي اليوميّة الكبرى على الأقلّ في هذه المرحلة.
    وما بين هذين المدارين الرقمي والروحي "مسار" أو مساحة مقطوعة سابقا ولاحقا، مسافة فاصلة بين طرفي المعادلة في هذا العنوان الأكبر. ويحمل لفظ "المسار" نوعا من الإنباء عن حركة الذات المتلفّظة وهي تنسج خيوط العلاقة بين المجال الرقمي والمجال الروحي غدوّا ورواحا، خيوط من اللغة والرّؤى والأساليب والصّور والمرجعيات والرموز، خيوط الديوان بما حوى وبالكيفيات التي تشكّل بها وبالاختيارات التي رصدتها راضية الشهايبي وانتقتها لتواجه بها القارئ وتوقعه في خيوطها تلك!
    2 ــ عناوين الأقسام
    يدخل العنوان ضمن عملية خلق النص "Genèse" لأنّه يثير أسئلة تتعلّق بلحظة محدّدة من بنائه وتشكّله، فهل يوضع قبل متن النص أم بعده؟ أم ينقذف أثناء مسار الكلام؟ وهل ينتشر عنه متن النصّ أم ينسرب إليه؟ لا نملك أجوبة محدّدة ما دمنا نلتقي بالعناوين جاهزة مكتملة، إلاّ أننا سنوجّه عنايتنا إلى عناوين أقسام الديوان الكبرى باعتبارها تمثّل حدود الديوان الداخلية، وتحمل دلالة شكلية على طرائق الذات الشاعرة في تنظيم مادّة الديوان وإخراجها الإخراج الذي تراه لائقا ببناء مسالكها الدلالية الموصلة إلى المتلقّي.
    وأوّل ما لفت انتباهنا ونحن نقرأ الديوان أنّ القسم الأوّل منه لم يحمل عنوانا كما كنّا أشرنا في حين عنونت الشاعرة أبوابه الأربعة اللاّحقة. تركت الشاعرة قسم الديوان الأوّل دون "بوّابة"، يدخله القارئ بلا استئذان فإذا هو مباشرة في القصائد، تجنّبه الشاعرة أن يعلّق القصائد الواردة في هذا القسم على معنى مسبق أو يلحقها بمجال معنوي محدّد.. أبقت الشاعرة قصائد القسم الأوّل من ديوانها في وضعية تشظّ وتحرّر من ربقة العنوان الموحّد، إمّا هروبا فنّيا من عتبة جامعة، أو اختيارا بنيويّا تقابل فيه الشاعرة بين أقسام معنونة وأخرى غير معنونة وتعطي ديوانها تشكّلا مخصوصا، وتحقّق للمادّة الشعرية حركة ذاتية قوامها التحرّر من عتبة العنوان في موضع والالتزام بها في موضع آخر.
    وإن بدا الأمر في ظاهره غير ذي دلالة فإنّه محمول في الحقيقة على نوع من الإشارة إلى كيفية حضور الذات الشاعرة في شعرها بما أنّ كلّ علامة لغويّة هي اختيار مّا ترتئيه الذات وتلتقطه من بين اختيارات أخرى، ألم يكن بإمكان راضية الشهايبي أن تعنون هذا القسم الأوّل من ديوانها كما عنونت بقيّة الأقسام؟ بقي أن نتساءل لمَ خلا هذا القسم بالذات من عتبة العنوان؟ أيعود الأمر إلى قربه من العنوان الأكبر، عنوان الديوان، أم إلى نوعيّة القصائد التي يحويها هذا القسم إذ هي المجموعة الوحيدة من مجاميع قصائد الديوان التي لا يوحّد بينها معنى جامع كما في باقي الأقسام؟ ففي القسم الثاني المعنون بـ"مدن الذاكرة" خصّت جميع القصائد الواردة فيه مدنا بعينها رسمت الشاعرة بعض تفاصيلها وملأتها بإيحائيّة أخّاذة وأعلنت حضور هذه المدن في عناوين القصائد بدءا بـ"القيروان" (ص 59)، ومرورا بـ"دمشق" (ص 60)، و"السّلمية" (ص 61).... ثم "اسطنبول" (ص 70)، فـ"الكيباك" (ص 78)... وانتهاء بـ"طنطا" (ص 80). وتعلّق عنوان القسم الثالث "الجرعات القاتلة" بنوع معيّن من القصائد هي "الومضات"، في حين وُسم القسم الرابع بـ"المسار الرقمي للروح" في استدعاء حرفي لعنوان الديوان الأكبر، وقد أثّثته الشاعرة بما هو موصول فعلا إلى العالم الرقمي كما تدلّ على ذلك كلّ عناوين هذا القسم واختتمت راضية الشهايبي لعبة العناوين بـ"ذاكرة الأغاني" في قسم الديوان الأخير، وقد انضوت تحته مجموعة من مطالع شهيرات الأغاني العربية كما سنبيّن حين نعتني في ما يلي بعناوين القصائد.
    3 ــ شبكة العناوين الداخليّة
    ارتأينا أن نتنظّر شبكة عناوين القصائد بطريقة أفقيّة، بما يعني أنّنا لن نتابعها في تسلسلها ضمن أقسام الديوان، وإنّما ضمن نظرة شاملة تتابع هذه العناوين بحسب تشكّلها اللغوي، بقطع النظر عن موقعها من هذا القسم أو ذاك هادفين إلى تحقيق رؤية بانورامية على الديوان قد تكشف عن حركة المادة الشعرية داخله وعن بعض المقاصد الكامنة ضمن تلك الحركة.
    حوى الديوان اثنين وخمسين عنوانا على رأس القصائد جاءت في بنى لغوية مختلفة كما يبيّنه الجدول التالي:
    لفظ مفرد تركيب جزئي تركيب إسنادي
    تشرّد ــ طيران ــ انبعاث ــ بقايا ــ القيروان ــ دمشق1 ــ السّلمية ــ تونس ــ سوسة ــ اسطنبول1 ــ شيلا ــ دمشق2 ــ اللاّذقيّة ــ اسطنبول2 ــ انطاليا ــ البورصة ــ أبانت ــ الحمّامات ــ الكيباك ــ القاهرة ــ طنطاــ تغطيةRéseau ــ مكالمة..Appel reçu ــ رنينsonnerie1 ــ صامت Silencieux روح لجسدين ــ إلى المتجلّي في العبث ــ موكب القتل ــ تباشير الحزن ــ الجذر التربيعي للبراءة ــ خيانة عصريّة جدّا ــ رقصة ما بعد الليل ــ جزيرة الأميرات ــ الدار البيضاء ــ رقم جوّاله.. ــ بطاقة شحن Carte de rechargeــ الرّسائل المحفوظةEléments enregistrés ــ محو الرّسائلSupprimer méssages الرّسائل المرسلة Eléments envoyés ــ جوّالي وحاسوبي ــ "الأماكن كلّها" ــ "عيون القلب" ــ لو كان بإمكاني ــ عبس وتولّى ــ اللاّذقيّة باتّجاه الوهم ــ وللآه مهرجان ــ مكالمات لم يردّ عليها Appels en absence ــ "أكلّما ضمّنا للهوى" ــ "مشيت مشيت على الأشواك" ــ "زهر البنفسج بكّاني" ــ "أروح لمين" ــ "علّموك علّموك الهجر علّموك تحيري الفكر"

    إنّنا لا نستطيع أن ننكر ونحن نستقرئ الجدول ميل الشاعرة إلى بنية اللفظ الواحد، فهي البنية الأكثر انتشارا والأشدّ استقطابا للذّات من باقي البنى وخاصّة منها التركيب الإسنادي، حيث لم يتجاوز عدد العناوين الواردة تركيبا إسناديا الخمسة إذا ما استثنينا عناوين الأغاني التي لم تركّبها الشاعرة وإنّما استحضرتها جاهزة من عالم الغناء. وهذا الميل إلى العنوان الأقصر يعكس في ما يبدو لنا رؤية ذاتية إلى الزّمن وحركته وامتداداته، ويحمل نوعا من الوعي بقصر الزمن وسرعة مروره وعرضيّته.
    وقد يتدعّم هذا الإحساس اللغوي بالزّمن ببعدين آخرين يجعلان اللفظ موغلا في الدّلالة على المرور السّريع وعلى العرضية، أوّلهما التنكير "تشرّد"، "طيران"، "انبعاث"، "بقايا"، "تغطية"، "رنين".. إنّ تجريد الاسم من التعريف وبعثه في وضع نكرة يشحنه بمزيد من إيحائية المرور العابر بما أنّه لا يتعلّق بشيء مّا ولا ينسب إلى تجربة محدّدة. ويتّصل البعد الثاني في هذه العناوين المفردة بمعنى اللفظ ذاته "تشرّد"، "طيران"، "انبعاث"، "بقايا"، "مكالمة"..إذ يحمل اللفظ معنى ما لا يدوم وما لا يستقرّ وما لا يبقى.
    ويتوسّط غالبية العناوين المفردة وقلّة العناوين المركّبة تركيبا إسناديّا مجموعة من العناوين ذات الامتداد اللغوي المتوسّط، مركّبة في غالبيتها من لفظين أو أكثر بقليل "موكب القتل"، "روح لجسدين" "تباشير الحزن"، "جزيرة الأميرات"، "رقم جوّاله".. تختلف عن المجموعة الأولى بشيء من التخصيص والنسبة إلى هذه الذات أو تلك، وتستقلّ عن المجموعة الثالثة من حيث نوعية التركيب اللغوي ومساحة الخطاب الزّمنية.
    ولا يكاد قصر العناوين يخرج عن اختيار أشمل وأكبر في ديوان راضية الشهايبي هو نظام التوسّع في القصائد، فقد كانت "الومضة" هي الاختيار البنيوي الأبرز في الديوان، ففيما عدا قصائد القسم الأوّل التي اعتراها شيء من التوسّع والطّول فإنّ باقي قصائد الديوان كان القصر سمتها المميّزة، بل خصّصت الشاعرة القسم الثالث من الديوان لهذا الصنف من نظام التوسّع في بنية القصيدة، ووسمته بـ"الجرعات القاتلة"، وقد حوى هذا القسم من الديوان أربعا وعشرين قصيدة / ومضة، لم تتجاوز سبع عشرة (17) منها الخمسة أسطر. وقد غلبت الومضات القصيرة جدّا إذ أحصينا أربع عشرة (14) ومضة من ذوات الثلاثة أسطر (6 ومضات)،
    "أرفع إلى شاهقات بوارقي أناتي فأتعثّر
    في براكين اتّقادي وأسري لا ألوي على فزع
    أروم النّفاذ من فتحة لي هناك في الألم" (89)
    ومن ذوات السّطرين (5 ومضات)،
    "هل تدرك المسافات الساذجة أنّ روحك
    تسافر ألف مرّة في اليوم لي؟" (ص 86)
    وحتى ذات السطر الواحد (3 ومضات)
    • الكبرياء أن نحتفي معا بحرق الأقنعة (ص 89)
    • تحرقني وأشتعل لتستنير؟؟؟ (ص 90)
    • أنا غيمة انتظار والمطر يأس. (ص 90)
    وهو اختيار في ضبط فضاء القصيدة وتكثيفه واختزاله، يظلّله عنوان هذا القسم من أقسام الديوان "الجرعات القاتلة" بما تعنيه كلمة "جرعة" من كثافة وسرعة وفاعلية جعلت الشاعرة تتصوّر أنّ هذه الفاعلية قد تصل حدّ "القتل"، ولا مانع عندها أن يكون القارئ هو القتيل أو المقتول وهو يتلقّى جرعاتها!

    2 ــ جدل "الرقمي" و"الروحي" في قسم "المسار الرقمي للروح"
    يحمل هذا القسم العنوان نفسه الذي وُسم به الديوان، في دلالة واضحة على موقعه من الذات الشاعرة ومكانته من الديوان ككلّ. ويبدو من خلال العنوان المشترك بين الديوان وهذا القسم منه أنّ الشاعرة تعطي القارئ إشارة مّا إلى أنّ هذا القسم يحظى عندها بنوع من القيمة المضافة تريد أن تبلّغها إلى المتلقّي وأن تحمله على التنبّه إليها.
    وسيكون اشتغالنا على القصائد الواردة في قسم "المسار الرقمي للروح" ضمن مستويين اثنين، الأوّل هو تفكيك العلاقة بين "الرقمي" و"الروحي" أو بين "الذاتي" و"الموضوعي" كما تجليها بنية الخطاب، والثاني هو العناية بصنوف التخييل والانزياحات والمجازات التي صبغت بها الشاعرة ملفوظها الشعري وشحنت بها حركة المعنى داخله.
    1ــ الذاتي والموضوعي
    ينبني عنوان القسم الرابع "المسار الرقمي للروح" على ثنائية مهمّة ستتحكّم في كامل القصائد الواردة ضمنه وستطبعه بطابع مخصوص يراوح بين مجموعة من الأقطاب المتقابلة، تولّد الشاعرة من خلالها دوائرها الدلالية وتلقط من المساحات الفاصلة بينها رموزها اللغويّة وغير اللغويّة، وتتمثّل هذه الثنائية في المقابلة بين مجالين، "رقمي مرجعي" من ناحية "وروحي تخييلي" من ناحية أخرى.
    وسنحاول الاشتغال على هذه "التقابلية" باعتبارها الأداة اللغويّة والمعنوية الأبرز في بناء شعرية النصوص في هذا القسم من الديوان. وسنختزل هذا التواشج بين عالمي الواقع المرجعي والخيال في ثنائية كبرى قطباها "الذات" من ناحية ونقصد بها الذات المبدعة وهي تبني الخطاب وتتحرّك ضمن اللغة وتولّد الدلالة قصد العبور إلى القارئ، و"الموضوع" وبه نقصد المعطى المرجعي المشترك وقد حدّدته الشاعرة في العالم الرّقمي ومكوّناته وخصائصه.
    نذهب إلى أنّ هذه الثنائية هي الثنائية الجامعة في قصائد راضية الشهايبي، وهي الثنائية التي ستتفرّع عنها أقطاب أخرى داخل الخطاب الشعري لا تسمح مساحة المقال بمتابعتها جميعا.
    ما بين الذات والموضوع يتحرّك كلّ مبدع، ولكن يبقى الإشكال في طرائق الحركة وأدواتها. وقد حملت كلّ القصائد علامة على وقوف الشاعرة بين قطبي الذات والموضوع في محاولة لرصد العلائق القائمة بين عالمين يتقابلان ويتقاطعان في ذات الآن، هما عالم الذات الخارجي وعالمها الداخلي. يحضر العالم الخارجي من خلال مجموعة من العلامات المشتركة التي لا سلطة للذات عليها مثل التسميات الألكترونية المتّفق عليها "عالميّا"، والتي لا يتغيّر فيها من لغة إلى أخرى غير الدالّ كما جاء في مختلف عناوين القصائد: "تغطيةRéseau "، "مكالمة..Appel Reçu"، "رنين Sonnerie1 "، "صامت Silencieux "، "بطاقة شحن Carte de recharge"...
    وقد يتجسّد "الموضوعي" في كثير من التسميات التقنية المتّفق عليها تقوم روابط مشتركة بين النصّ وقارئه رغم ما تحاول الشاعرة إضفاءه من "تذييت" عليها، ففي قصائدها تتحدّث راضية الشهايبي عن "الذّبذبة": "من أصواتنا ذبذبات تشهد بانفلاتنا نحو
    المعجزة..
    على شكل ذبذبات تحلّ دبيب حياة عبر
    مسمعي وتتوزّع إنصافا بكامل الجسد" (ص 98)
    وتصف الشاعرة "المكالمة" وهي تحاول تذييت هذا الفضاء الموضوعي:
    "...تنهي المكالمة
    وأستحلف السمّاعة أن تبقى آهلة بحريقها" (ص 99)
    وتصوّر في هذا السياق أثر "الرّنين":
    "يستنفر الرنين العذب هرولتي.." (ص 99)
    أو ترصد بعض وظائف اللحن المميّز:
    "هي أرقام تتمركز إشارات وصل بدمي كلما
    رتبتها اتقد النبض داخلي
    تصطفّ الأرقام خط عبور فتتأهب الروح
    ترحب وينفي المسمع كلّ أصوات النداء
    ليتفرّغ للحن المميز." (ص 101)
    أو وظائف "الرسائل المحفوظة":
    "اليوم تخونني ذاكرتي وتعلن الإضراب نسيانا،
    إلى متى يدوم؟ لا أدري. فتمتنع عن مدّي
    بمعلوميَ اليوميّ وقدره كمّ من الذكريات على
    مقاس الوجد، فعلى أيّ النوافذ في غيابها أستند.." (105)
    وأحيانا تكون الغلبة المطلقة لما هو موضوعي مزروع خارج الذات تماما، لا تجد حتى كيف تستعيد امتلاكه باللغة، فتصبح القصيدة إخبارا محضا: "جوالي وحاسوبي (شهادة ملكية)" (ص 107)
    ولعلّ أكثر ما تردّد في قصائد راضية الشهايبي في هذا القسم من الديوان للدّلالة على سلطة الموضوع هي مادّة "الرّقم"، وقد حضر الرقم حضورا فعليّا كما في قصيدة "رقم جوّاله" حيث تغرق الشاعرة فضاء العنوان بسلسال من الأرقام تجاوز فيه الحدّ الموضوعي لسلسلة الأرقام المسموح بها علميّا،ويصبح رقما ذاتيا:
    "رقم جوّاله 700000000000000000000000002" (ص97)
    وحضر الرقم بمادّته الحرفية "رقم، أرقام، ترقّم" أو بما يرادفه مثل لفظ "عدد"، ولنا في قصيدة "رقم جوّاله" نموذج على هذا الحضور الجليّ للمادّة الرقمية، فبالإضافة إلى حضور الأرقام حضورا فعليّا في العنوان تردّد لفظ "رقم" ومشتقّاته في خمس مناسبات" رقم جوّاله"، "أحتمي بأرقام من وهج ضياعك..، أتعلّق بها حدّ الترقّم"، "هي الأرقام إذن أرحم"، "فقط أرقام تسجد لها أصابعي".. كما تكرّر المرادف "عدد" مرّتين في القصيدة "لتتجمّع في هيئة عدد يتطوّع براقا"، "أصابعي تتكوّن لي عددا".
    إنّ الأرقام والرقمية والترقيم هي المجال الموضوعي الرئيس الذي تتحرّك ضمنه الذات وتتعامل معه باللغة، بالشعر وتحاول جاهدة أن تمتلكه بطريقتها الخاصّة وأن تبعثه في لغتها الشعرية بعثا جديدا قادرا على إدهاش القارئ ودفعه إلى بناء علاقة جديدة مع هذا العالم الرقمي الرحب ، سمّته الشاعرة ــ ساخرة أو مبهورة ــ "المجلس الافتراضي المتحد" (ص 98) قياسا على مجالس العالم المتحدة الكثيرة في السياسة والدين والاقتصاد والثقافة.
    وسنحاول متابعة الطرائق التي توخّتها الشاعرة في تذييت هذا العالم الرقمي المشترك الموضوع خارج الذات في ظاهره على الأقلّ، ولكن الذات تتحرّك داخله وتتبادل معه مجموعة من العلائق والإشارات والمساحات، نختزلها في مجموعة من الظواهر اللغويّة الفنية.


    2 ــ مجاز الرقمية
    المجاز هو روح الشعر وجوهره، وهو أداته الفنية المميزة، وتقاس قدرة الشاعر الشعرية منذ القديم بمدى تحكّمه في المساحات الفاصلة بين طرفي الصورة الشعرية المرجعي والتخييلي ذهابا وإيابا. وقد حاولت الشاعرة راضية الشهايبي أن تتعاطى مع شكل الواقع المرجعي الذي اختارته لتوليد قصائدها في القسم الرابع "المسار الرقمي للروح" بتكثيف المجاز وتركيب مجموعة من الصور الشعرية التي قدرت في مواضع كثيرة أن تنقل القارئ من مدار "الرقمية" المشترك المعهود إلى مدار "التخييل الشعري" الخاص والذاتي، وأن تحوّل الظاهرة من مجراها الواقعي المحسوس إلى مجراها الفني التجريدي. إنها رحلة غير سهلة بين المرجعي والتخييلي حشدت لها الشاعرة مجموعة من الصور الشعرية والانزياحات والملاوصات حققت لقصائدها مدى من المفاجأة والإمتاع. فقد يحمّل رقم الجوّال بعدا دينيا أسطوريا يخرجه من تجريديته المطلقة:
    "أحتمي بأرقام من وهج ضياعك في مداها
    أتعلّق بها حدّ الترقّم
    تفهمني فتعطف وتستكين سريعا بذاكرتي تقبع
    مستنفرة لتتجمّع في هيئة عدد يتطوّع براقا
    يسري بالسعير المتّقد.." (ص 97)
    وقد تضفي الشاعرة دفقا من الخيال على الأدوات الرقمية فتحييها وتؤنسنها وتبني بها معبرا دلاليّا طريفا إلى القارئ مثلما جاء في قصيدة "مكالمة Appel Reçu" حيث تبني الشاعرة الخطاب في شكل تداعيات سريعة قياسا على حركة المكالمات الهاتفية:
    "الموسيقى سحر الصوت وحنيني المندلق على
    حافة كلماتي، وأنت تنثر الارتباك وتنشئ
    الفوضى وتخلق الفتنة ما بين تفاصيلي
    المتسابقة في نبضها وأنا هنا..." (ص 99)
    وقد تُنقل "التغطية" من بعدها الفيزيائي الرّياضي وهي تعبر الفضاء الرقمي بين الذات المرسلة والذات المقصودة في الخطاب إلى حركة موغلة في الخصوصية والروحية حتى ليصبح كلّ الفضاء الرقمي موعد لقاء بين "عاشق" و"معشوق"
    كما هي الحال في الشعر منذ قديم الزمان:
    "لأجلي... دعي الريح تعبرك أيّتها السماء
    لتهيّأ لمسار الروح تغطية تليق بالحلم المشفّر
    على شكل ذبذبات تحلّ دبيب حياة عبر
    مسمعي وتتوزع إنصافا بكامل الجسد" (ص 98)
    وقد تضفي الشاعرة دفقا من الخيال على الأدوات الرقمية فتحييها وتؤنسنها وتبني بها معبرا دلاليّا طريفا إلى القارئ مثلما جاء في قصيدة "مكالمة .." حين تبني الشاعرة الخطاب في شكل تداعيات سريعة قياسا على حركة المكالمات الهاتفية:
    "الموسيقى سحر الصوت وحنيني المندلق على
    حافة كلماتي وأنت تنثر الارتباك وتنشئ
    الفوضى وتخلق الفتنة ما بين تفاصيلي
    المتسابقة في نبضها وأنا هنا..." (ص 99)
    وفي أكثر من موضع ألبست الشاعرة المفاهيم الرقمية "الجافّة" لبوسا تخييليّا نقلها من وجودها المرجعي الصارم إلى وجودها الفني الملوّن بالترميز والتخييل، القابل لصنوف شتى من التأويل، وقد انبنت قصيدة " مكالمات لم يردّ عليها.." على هذا النوع من المراقصة الفنية بين المفهوم المرجعي والصورة التخييلية:
    "أسمع رنينا... هي وصلات صاعقة لمركز
    التيه في الشريان الـ به يزدحم يتنبّه جهاز
    المناعة من الصّدمة. أرفع الأمل إلى أذني.." (ص 102)
    وفي مواضع أخرى تتشكّل الصورة الشعرية من خلال تشبيه تمثيليّ تحاكي فيه صورةٌ أولى مقتضبة بسيطة هي المشبّه "تستحيل أرقام ندائه" صورةً ثانية موسّعة مركّبة هي المشبّه به:
    "أجنحة تحلّق بي كلّما
    اخترقت حيطان حصارهم متخفّية بالوضع
    الصامت" (ص 103)
    وأن يكون المشبه به أوسع من المشبّه وأكثر تركيبا وأبعد مدى فإنّ ذلك دالّ على أنّ همّ الذات الشاعرة وهي تبني ملفوظها كان مصروفا إلى جانب التخييل في الخطاب أكثر من جانبه المرجعي، وأنّ المرجعية الرقميّة التي حوتها القصيدة منذ العنوان "صامت.." لم تكن غير سند لغوي "موضوعي" سرعان ما صهرته الشاعرة في عوالمها التخييلية واستردّته من المشترك إلى الخاصّ ومن الجماعي إلى الفردي:
    "حين يعاوده الحنين للمعنى الزّئبقي ينفلت
    عن قبضة التوهّج ويدّعي أنّه سهوا أنزل
    بجواله داء البكم" (ص 103)
    وقد قلّبت الشاعرة هذه الوضعية الرقمية "الصامت" على أكثر من وجه، وبنت بها أكثر من صورة وولّدت منها دلالات مختلفة، فيها ــ على بساطتها وقرب مأخذها ــ من الطرافة والجدّة والخصوصية ما حقّق لقصائد "المسار الرقمي للروح" طاقة تأثيرية معتبرة وقدرة على اختراق الذات المتلقية وترك أثر فيها.
    ولقد تعدّدت مراوحات الشاعرة في هذا القسم من الديوان بين حدود العالم الرقمي وعلاماته ومكوّناته المعروفة والمشتركة وبين همهمات الذات ورغباتها البعيدة والقريبة، وما بين هذا المدى وذاك يتحرّك المعنى الشعري في قصائد راضية الشهايبي وتتولّد الدلالات.
    وقد تبقى المراوحة أحيانا بسيطة سريعة المأخذ منتظرة لأنّها خالية من التركيب التخييلي لا تكاد تختلف عن "الإخبار" سواء في مستوى المعجم "كم أنت رحيم بفاتورة الهاتف.." (ص 104)، أو تركيب الجملة "جوالي وحاسوب (شهادة ملكية)" (ص 107)، أو في بناء المعنى "حين سمعت صوته أوّل مرة اختنقت حدّ البكم.." (ص 100)
    وفي أحايين أخرى تبلغ هذه المراوحة مدى من التركيب والتكثيف ما مكّن الخطاب الشعري من مفارقة مرجعه الواقعي وتخطّيه وظيفة الإخبار إلى وظيفته المتوقّعة وهي التّأثير، يتمّ ذلك حين تصعد الشاعرة بالبعد المرجعي المعلن في عنوان القصيدة "محو الرسائل.." إلى مصافّ التخييل والإيحاء ضمن هذه الحركة الرقمية البسيطة "محو الرسائل":
    "وداعا...
    تنزل نزول الموت المحلّق برايات الذّهول كفناً
    يستعجل الأجل
    ورائحة العدم بَخورًا لطقوس الدّفن
    تناثرت أحرفها...و...د...ا...ع...ا...
    تبعثرت تبحث عن مَكْمن في العمق لم يمت." (ص 106)
    إنّ المنجز الشعري هنا هو توسيع المساحة القائمة ما بين المرجع والذات، ما بين الواقع والخيال،ما بين الرقم والروح، إذ تلقط الذات الشاعرة من عالم الرقمية المحيط بها والساكنة فيه علامة أو إشارة أو مفهوما يجمعها بالمتلقّي ويبني علاقتهما المرجعية، ثم تردّ هذه العلامة أو الإشارة أو المفهوم إلى ذاتها، وتغمّسه برغباتها الباطنة وتبعثه بعثا آخر مغايرا لوجوده المرجعي الأوّل، هو بعثه الشعري أو الفنّي. وقد اختلف مستوى القصائد الفنّي باختلاف الكثافة الإيحائية التي لفّت بها الشاعرة العلامات المرجعية في هذا القسم من الديوان.
    ديوان راضية الشهايبي "المسار الرقمي للروح" نصّ يستحقّ النظر لما فيه من "ذاتية" وخصوصية واجتهاد. والشاعرة في ديوانها هذا لا تشبه إلاّ نفسها ولا تحيل إلاّ على ذاتها، وقد كان لها من القدرة على التقاط القادح الشعري الطريف ومن الجرأة على تأثيث فضاء القصيدة وتركيبه التركيب المفاجئ كما في قسم الديوان الأخير "ذاكرة الأغاني" حيث تفتتح القصيدة ــ حين إلقائها ــ بالغناء ما يجعل هذا الديوان قابلا للقراءة وإعادة القراءة.

    د. آمنة الرميلي، كلية الآداب سوسة، تونس

    الأحد، 26 فبراير 2012 | نشر بتاريخ


    بقلم: محمد ياسين رحمة-- إن أغلب الشعراء أبدعوا من موقع الشعور الفجائعي بالاغتراب، اغتراب عن الذات الباحثة عن هويتها وهي مُضيّعة في دوامة زمن لا يعترف بالهوية الشعرية، إلا في حدود ما يُستلب منها، حينما تُحبس في قفص الوظيفية أو اغتراب عن الوسط الاجتماعي الذي ينكر على الشاعر، جموحه وتمرّده على الأعراف والتقاليد، والذي يجحد أيضا فتوحات الشاعر السّحرية لممالك القلب وهو يبث فيها أزاهير الأحلام وينفخ من فيوضه في "الأرواح المتكسرة". أو اغتراب عن أرض الصرخة الأولى، التي تبقى متعلقة بالحبال الصوتية للشاعر و مشدودة بحبائل مخياله الشرود، فتصادر سكينته و تزرع فيه ثورة متيقّظة و متحفّزة للانفجار...و تتعدد ألوان الاغتراب عند الشعراء، و لكنها تبقى في مدار فأهمية محورها العقل و مركز جاذبيتها التفاعلات النفسية الناتجة عن المحيط الذي يحاصر الذات الشاعرة.

    قالت الوردة ٌ، وقفة اغترابية خاصة جدا، لامس فيها الشاعر الجزائري عثمان لوصيف شمس المطلق، حينما نسج جدائل من الزّئبق بأصابع تحترق، وراح يُروّض أحصنة البرق الشاردة في سماوات الوهج. إننا أمام اغتراب كوني، يحنّ فيه الشاعر إلى بعد مهمل قبل كينونة الزمن الفيزيائي، زمن يؤرّخه الافتراض وحده... ويشتاق فيه إلى فضاء الكينونة الأولى، بعد مهمل لا تدركه إلا روح متصوّفة، تمارس المعراج إلى بحيرات الطهر السماوية. إنه اغتراب صوفي، يؤرخ لحظة الخلق المهربة من العدميات التي لا يدرك حقائقها إلا شاعر يستطيع تحرير روحه من لعنة الجسد. إن الغوص في العمق الشعري لقصيد قالت الوردة، هو محاولة لكسر مرايا بحيرة الفيوض عند شاعرنا وإحداث الارتجاجات اللازمة لتحديد مراكز الدوائر التي تُرتسم. وهو محاولة لتعرية الأبعاد الوهمية و تثبيت الذات الشعرية، في مواجهة منطقة الانهزامية و الانكسارية منها، لاستشفاف الأبعاد الروحية التي ترنو إليها... وهي محاولة لتحديد الهوية الشعرية لعثمان لوصيف على منحى القصيد دون الانزلاق في أشكال التصنيف الشعري.

    من شفاهي تنزلق الكلمات

    سمكا أخضرا

    ذهبي الزعانف والزغبات

    شاعر... شفتي زهرة

    ويداي لغات

    تسكر الأرض حين أغني

    وترقص أشجارها العاشقات

    والفراشات ترتفّ فوق رموشي

    وتستيقظ النجمات

    في هنيهات انثيال الرؤيا على الكائن الشعري، تكون الذات الشاعرة تحت وقع صدمة كهروشعرية. فتُصاب بارتجاج ارتيابي تتمثل فيه حضورها و امتداداتها و أبعادها. وخلال هذه المسافة، تحدث التفتّقات الإبداعية وتتداعى اللغة الشعرية الخاصة وتلتحف الألفاظ معاني الحالة الصوفية... ولا يرتدّ الكائن الشعري، إلى طبيعته إلا وقد نثر على الأوراق عرائس انثيالاته. غير أن هناك شاعر، يتواطؤ مع واقعه، فتكون ذاته الشاعرة مشبعة بترسبات وعوالق، ومثقلة بموانع وعوائق تمنعها من التحليق في كل الفضاءات... هذا الشاعر، صادر حريته المخيالية وتنازل عن العرش الفاضل الذي توّجته به الرسالة الشعرية... شاعرنا سفّه واقعه وتحرر من كل اللزوميات والفروض وراح يرتاد المجاهيل، ليثبّت الطبيعة ويعيد إليها عذريتها المستلبة، وليحقق الهوية الإنسانية الخاصة لذاته البشرية ، كذات نمطية لكل البشر المنكسرين تحت وطأة الكفر بالطبيعة والفاقدين للإحساس بالقيمة الإنسانية.

    آه – يا وردة السهو

    غني لمعجزة الخلق

    وابتهجي..

    ليس هناك من ينكر على الورد رقّته وجماله وما يزرعه في نفسية ناظره، من مباهج وأحاسيس لذيذة. الورد جميل بذاته وهو جميل بصمته وما يختزنه من معاني ومفاهيم سامية، في إطلاقها... وحتى اليوم لم يجد العشاق أبلغ من الورد للتعبير عن آيات العشق في أعماقهم. ولعل الورد قد اختزل كل لغات العالم في أكمامه وأبدع لغة إنسانية مُوحّدة تخاطب الشعور المتسامي وحده .. شاعرنا، أدرك ذلك وأدرك أن الشاعر المتصوّف هو قدّيس العشاق بامتياز، لأنه المُولّه بالعشق للعشق وهو راهب الجمال في محراب الرموز التي تمثل كل جميل. وإذن، فهو الأقدر على فك شفرات لغة الورد وهو الأعرف بأشكال مخاطبتها .. ولأن معجزة الخلق، هي اتحاد منسجم بين آيتي العشق والجمال، فإن وردة واحدة، في استطاعتها أن تغني لمعجزة الخلق، إذا ما دعاها شاعر متصوّف... هي وردة السهو، أو وردة الروح المُولّهة التي ألفت المعراج إلى بحيرات الطهر السماوية ، قبل أن يأسرها جسد الطين. وكأن الروح قبل خلق الجسد كانت وردة انصهر فيها منتهى الجمال والعشق.

    صيحة الأمر دوّت

    وكن! فاستجاب السكون العميق

    وحنت نواقيسه فاختلج

    ولها...

    واشرأبّ الظلام امتزج

    بالرؤى والمرايا التي لألأت

    أنجما وهزج

    الشاعر وحّد بين عقله وروحه وألغى مجال التصادمية بينهما. فقد صهر خبرته الوجودية وما ترسّب في ذهنه من معارف علمية بمدركاته الصوفية، فأنتج بعدا خاصا، عقلن الشعور ووحد بين البعد العقلي و البعد العاطفي الانفعالي واستطاع أن يخضع المعرفة العلمية للمدركات الصوفية، دون تنافر أو تناقض.. وراح يعرض لنظرية خلق الكون العلمية بفاهمية صوفية، تجعل من هذا الخلق معجزة يجب أن يستوقفها التأمل والتدبر، من منظار صوفي يعنى بالعشق والجمال. فالسكون العميق (مرحلة العمى) استجاب لصرخة الأمر كُن، عشقا وولها في الخلق ذاته. وكأن الله أحب الخلق فخلق، وكأن الأصل في الخلق هو الحب، وكأن معجزة الخلق ابتدأت بآية العشق (الحب).

    آه... من أي قاع سحيق

    ومن أي بيداء أو عدم

    يتدفق هذا الضياء

    وتزهر بالصور الفاتنات

    وبالسحر هذه السرج؟

    بعد آية العشق، تدفقت آية الجمال، حينما تدفق الضياء ولألأت النجوم بعد مخاضات البروق والرعود والرياح.... فاكتملت معجزة الخلق – الأولى – بانصهار آيتي العشق والجمال. وها هو الشاعر الصّوفي، يضعنا في مواجهة حقائق الأمور وأعادها الروحية، التي لا تدركها فتوحات العقل وحده. ويتجاوز بنا النظريات المعرفية الجامدة ومظهريات الحياة الزائفة، تجاوزا يمنح التأمل والتدبّر في كتاب الكون، الدلالة المفتاحية، لقراءة مظهريات الحياة وما تبسطه من إشكاليات حول معناها وأسرارها.

    يا دم الكون

    يا ... دمي

    أجّج العشق نارا ونور

    واتل للعاشقين كتابك

    كي تستفيق العقول

    وتزهر بالمجد هذي السطور

    يحاول الشاعر، أن يزرع الاغتراب الكوني في الحس الإنساني، بغية عزله عن الكيان البشري الزائف، لتحريره، ثم إعادة صياغته وفق آيتي الخلق الأولى (العشق والجمال)، ليوجد قوة منعزلة بذاتها في عمق الآدمي، يمكنها أن تُطهّر الكائن البشري من كل الخطايا، التي تركبه في عصر الضلال وتحرّره من سيطرة مطلقة لعقل برهن فشله المتكرر، لبلوغ الغاية الإنسانية ... فأدوات هذا العقل، تتطور في حدود ضيقة بالتفاعل مع دواعي الاستمرار الوجودي، وكثيرا ما خرجت هذه الأدوات عن سيطرة مبدعها، فصار الكائن البشري عبدا لها ومهددا كوابيسها.

    هي ذي سُدُم أنا صادمها

    هي ذي جزر أنا راسمها

    أتخطىّ النجوم إلى المنتهى

    ...

    سندباد الأعالي أنا

    ها المجرات تسبح بي

    وتقلّدني هالة من جلال البهاء

    الروح الإنسانية، هي جوهر سماوي خالص ومطهّر تمام التطهّر من عوالق الخطيئة ومكتنز لنورانية الكمال، شهدت التحولات الكونية الأولى، التي تفاعلت فيها ذات الذّرات والعناصر المشكلة لجسد الطين الذي يأسرها... لا تتساءل عن الحقائق العلمية لنشأة الكون ولا تبسط ذاكرتها لتقارع مكتشفات العقل فيما كانت شاهدا فيه، بل تحاول أن تؤكد بشهادتها، أن تاريخها، منفصل عن تاريخ جسد الطين الذي يأسرها وعن تاريخ خلق الكون المادي... ولعل أقصى ما تطمح إليه، هو التأكيد، أن آيتي العشق والجمال متأصّلتين فيها وأسرها في الجسد، هو تأصيل للآيتين في إنسانية الإنسان. بمعنى، أن هذا الآدمي هو إنسان بروحه قبل أن يكون كائنا بشريا بعقله.

    أي لغز أنا ؟

    أي أسطورة بالرّدى ترتطم

    وتظل تسافر من رحم لرحم؟

    كم رسمت الخرائط

    كم بت أطعن ليل العدم

    كم كتبت الشموس

    وأعطيت شكل الكواكب

    شكل البحار وشكل الدّيم

    كل ما قدّمته المعرفة العقلية، من معارف علمية، أعانت على فهم الظواهر الطبيعية وتفكيك عناصرها وتسخيرها... والغاية هي كيفية إعداد الكون، من أجل أن يمارس علية الآدمي حياته. ولكنها لم تستطع أن تضبط العلاقة الروحية بين الإنسان والعناصر الأولية لهذا الكون. ولم تستطع، أن تحدد، دور الإنسان في الكون، انطلاقا من تلك العلاقة. فتقنعه برسالة معينة، حينما يعتقد فيها، يحقق إنسانيته. كل ما قدمته المعرفة العقلية، ساق إلى القلق والاضطراب ولخوف من الآتي... المعرفة العقلية، تُحدّد الآدمي، ككتلة مادية من العناصر مستقلة بذاتها وبتفاعلاتها عن منظومة الكتل المادية المنتشرة في الكون... وشاعرنا يبحث في أصل العناصر الكونية التي انطلقت من صرخة الأمرٌ كنٌ، وكانت الروح شاهدة على ذلك، من موقع ما... وإذن، فإن علاقة حميمة، أشبه بعلاقة الدم، تربط موجودات الكون، وهذه العلاقة تدركها المعرفة الصوفية بأدوات الصوفي الخاصة.

    كم عبرت صحارى القرون العجاف

    هتكت حجاب الظلم

    وتسلقت فجر القمم

    كم وقعت على هامتي ميتا

    غير أني ارفض أن أنهزم

    لم أزل منذ مليون عمر مضى

    أتذكر كل الملاحم والمعجزات

    وكل الصواعق والنيازك

    كل البراكين والحمم

    لم يستطع جسد الشاعر، أن يكتسب أسباب سعادته مما يمتد أمامه من موجودات يمكنه ملامستها وامتلاكها، ومن وسائل في استطاعته تملّكها وتوظيفها، فراح يرنو إلى سعادة روحية خالصة، مستغرقا في الوهج الصوفي، إلى الحد الذي يتحول فيه الشاعر إلى كائن أثيري، يفتّش في ذاكرة الروح.. فينطلق من عذابات الواقع الجزئية والمجزّأة وينتهي إلى تجربة روحية شاملة ، ينتفي فيها الزمن الفيزيائي وتنفتح بوابات الاستكشاف أمام سندباد الأعالي، فيؤرخ لمليون عمر مضى، على زمن الروح المتواصل في الساعة السرمدية. ورحلة سندباد الأعالي، هي محاولة جريئة جدا لتأكيد كشوفات العقل المعرفية، في سياق الاتحاد بالكون واستنطاق عناصره الأولى. ليس من أجل عقلنة الحالة الصوفية وإلباسها بعدا علميا، و لكن من أجل تأكيد المعرفة الصوفية و مدركاتها، كمفتاح أساسي في قراءة الأبعاد المهملة للإنسان. وأيضا، من أجل رفع حالة الاغتراب الكوني، التي يحياها الشاعر وتأكيد اغتراب الإنسانية، ليس فقط عن بعدها الكوني ولكن اغترابها عن جسد الطين الذي يأسرها... وكأن الكائن البشري، يحيا حالة احتباس روحي فظيعة، أحدثت بينه وبين معجزة الخلق (آيتي العشق والجمال) قطيعة مهولة.

    مقلتا امرأة خطّتا قدري

    ويدان تشيران لي

    أن أفق

    السماوات تغسلني بالنبيذ

    وتلبسني سندسا ويقق

    ها هنا نهر يتلاغى

    هنا زهر يتناغى

    هنا سدرة ونبق

    السماوات...

    يا للسماوات من شاعر يحترق

    إن العشق والجمال، آيتان قيميتان، تدركهما الذات المرهفة التي تمتلك أدوات التفكّر والتدبّر في معجزة الخلق وتمتلك فيضا إيمانيا، يطهرها من رجس الانجذاب إلى مستنقع المساحيق والأقنعة والواجهات المزيفة .. وكل ما أبدعته المعرفة المادية وأغرقت فيه دنيا الإنسان، فخنقت أنفاس البشرية وصدتها عن اكتناه حقيقتها الإنسانية. ولعل الشاعر قد أدرك، بحدسه الصوفي، أن التغلغل إلى أعماق العقلية المادية وتفجير ثورة قيمية بداخلها، يستلزم اكتساب الذات البشرية، أبسط أدوات التواصل مع معجزة الخلق... فوجد بإدراكه الصوفي، أن المرأة هي آخر ما تبقى من مفاتيح للولوج إلى فضاءات الذات البشرية.. والمرأة تختزل كل الأبعاد القيمية الفاضلة، فهي رمز العطاء الخصب الازدهار وهي وسيلة تفجير ثورة العشق وهي أبجدية قراءة الجمال. فمن لا يعشق لا يستطيع أن يستبطن منطقة الأحاسيس في أعماقه ولا يستطيع أن يكتشف ممالك القلب في دخيلته. ومن لا يهتز للجمال وينتشي بلذاته السحرية، لا يمكنه أن يراقص عرائس الذوق في ذاته ولا يستطيع أن يلامس حقيقته الإنساني.

    حينما يلتقي عاشقان هنا

    تحبل الأرض بالمعجزات الكبار

    وآياتها تكتمل

    إن امتلاك القدرة على قراءة الجمال بروح عاشقة، يفجر ينبوع الإنسانية في أعماق الذات ويطهر الكائن البشري من خطايا العقل الضال بمعارفه... والتقاء عاشقين، هو أسمى مراتب التوحد بذات الطبيعة، في ميقات خارج سياق الزمن الفيزيائي... وعبر هذا الالتقاء وحده، تسقط جغرافية الحدود وقوانين الجنسية وحواجز اللغات... لأن آية كبرى تتكشف على ارض البشر وهي ميلاد الإنسان الكوني (المتحد بعناصره الكونية). إن ميلاد الإنسان، من رحم المرأة وميلاد الإنسان الكوني من المرأة ببعديها العشقي والجمالي... فالخلق في رحم المرأة، والخلق بالمرأة ذاتها، في المنظور الصوفي لشاعرنا.

    آه... يا قارئي

    لا تقل: عبثا كل هذا السفر

    عدت مكتنزا بالمعاني

    ومحتشدا باللظى والمطر

    المرايا ترفرف حولي

    البروق تطوّقني

    وتفيض على مقلتي ألوف الصور

    ليس عبثا أن يعانق الشاعر زهرة روحه ويرتاد المجاهيل الكونية والدياميس المقفلة، بحثا عن السر الذي يوحد بني البشر ويطابق بين الإنسانية والطبيعة والكون... فيكشف لنا وحدة الروح الإنسانية وحقيقة الإنسان الكوني الذي ترسم الروح منحى عقله ويقوم تاريخه الكوني مقام الضمير فيه... وقد قدم لنا الشاعر، كشفا صوفيا، لا تتعارض فيه المعارف العلمية مع المدركات الصوفية. وهو لا يمنحنا فرصة التساؤل عن هُويّته الوجودية، ربّما حتى لا يورطنا في الكشف عن سره الصوفي الذي فتح له المسالك التي لم يبصرها العلم و لم يتبصّرها التّأمل و لم يدركها المخيال الفني.

    آه يا جسد الطين يا جسدي

    إن سلختك بالأمس عني

    وغادرت هذا التراب وهذي الحفر

    فلكي أتبطن غامض سري

    وأنحت من صاعق الرعد

    معنى لهذا الوجود

    وارفع بالدم والنار

    معراج كل البشر

    إذا أسلمنا بالحقيقة الصوفية التي انتهى إليها الشاعر، وهي وحدة الروح فلماذا يتقاتل البشر؟ وإذا كان البشر يشتركون مع الطبيعة عضويا، في تاريخ كوني واحد، فلماذا يعلنون عليها الحرب ويخنقون الحقيقة الإنسانية وبالمقابل ينتصرون لأكاذيب وأوهام العقل الضّال؟ لقد أراد الشاعر، أن يصوغ معنى للوجود، باكتشاف الحقيقة الإنسانية الواحدة ولعلها الحقيقة اليقينية الوحيدة، التي يمكن للكائن البشري إدراكها، إذا تبع مسلك العشق والجمال... وأترك للقارئ، يستنبط رسالة الشاعر، من القصيد الديوان ٌ قالت الوردة ٌمن خلال هذا المقطع الشعري الذي اعتبرناه بمثابة بيان شعر.

    أيها الآدمي الذي يتجبّر

    قد سطعت على الملكوت

    إلها صغيرا

    وأورثك الحق هذه البسيطة

    أنت الخليفة فيها فلا تنكر

    الأمانات بين يديك

    رويدك لا تتماد فتخسر

    أنت من جوهر

    في السماوات كان تألق

    ثم استويت هنا بشرا

    من تراب تكوّر

    هي ذي الأرض تدعوك

    أن تتلطّف

    تزرعها جلجلانا وجوهر

    ونوافذ تهفو على الكائنات

    فتسكر

    آه ... هل كنت جئت هنا تسيطر

    فتذلّ الضعيف

    تريق الدماء

    وتفسد ما أبدع الله

    يا أيها الآدمي

    استعذ بالهوى وتطهّر

    واعتنق زهرة البرق

    والأرج المتسعّر

    أيها الآدمي تحرّر

    من عبودية النفس والشهوات

    وكن نغما يتغنّج

    أو أنجما في الدياميس تزهر

    وسحابا يفيض

    إذا الحقل أقفر

    وغدا الصبح أكدر

    أيها الآدمي تذكر

    نفخة الحق فيك

    وكيف اصطفاك لتحتضن الأرض

    تفرشها أغنيات

    وعشقا

    وعنبر

    أيها الآدمي تعطر

    بالهوى

    ثم صلّ مع العاشقين وكبّر

    فإذا غلبتك الغرائز

    فالله اكبر.

    ***

    حصل الشاعر عثمان لوصيف على شهادة البكالوريا سنة 1974، لكن ظروفه الإجتماعية حرمته من الدراسة في الجامعة حتى سنة 1980، ليتخرج منها بشهادة ليسانس أدب عربي عام 1984 .

    - عمل بالتعليم الثانوي لسنوات طويلة .. ونظرا لحالته الصحية المتعبة، أحيل على التقاعد المسبق بطلب منه. غير أنه عاد والتحق بجامعة المسيلة، حيث يزاول عمله كأستاذ في معهد الأدب العربي.

    - ظل الشاعر لسنوات عدة يكتب بعيدا عن الأضواء، بعيدا عن صخب الملتقيات والمناسبات، لكنه عاد مع بداية التسعينيات تقديرا لمجموعة من الشعراء الأوفياء، حيث أصدر عدة دواوين تباعا، كما حصد عديد الجوائز وطنيا، ولعل الأهم في كل ذلك التكريمات التي حظي بها من عدة هيئات ثقافية تقديرا لتجربته المتميزة في الكتابة.

    - يعد الشاعر الأن للطبع مجموعتين شعرييتين (جرس لسماوات الماء) و(يا هذه الأنثى).

    الجمعة، 24 فبراير 2012 | نشر بتاريخ

    بقلم: محمد ياسين رحمة-- أجمل شروق للشمس في العالم وأجمل غروب أيضا، هو ذلك الذي يقودك إليه ممرّ الأسكرام على "تاهات" أعلى قمة جبلية في الجزائر (حسب اليونيسكو). كما يقودك الممرّ إلى ممرّات تاريخ بشري في فضوى سحر طبيعي في عمق الصحراء الجزائرية وإدهاش لصخور احتفظت برسومات ونقوش مُلوّنة يعود تاريخها إلى ما بين 8000 و2000 ق م، وتنتظر من يستنطق حكاياها عن جغرافية الأرض وتحوّلاتها.

    بكل ما في "تاهات" من رمزية للعمق والعلوّ والجمال، اختارت جمعية الكلمة للثقافة والإعلام أن تغيّر تسمية "مسابقة شاعر الجزائر" إلى "جائزة تاهات" للشعر الجزائري.. وقد أثارت هذه المبادرة جدلا بين الشعراء والكتّاب والإعلاميين من داخل الجزائر وخارجها، بين رافض ومتوجّس وبين مُصّر أن يسطع شاعر الجزائر من تاهات الشعر ويعيد شدّ حبال الصوت الشعريّ الجزائري كي يصدح في آفاق الضاد بالقوة التي تدفع إلى إعادة اكتشاف خارطة الإبداع الشعري الجزائري عربيا وعالميا.

    • "الكلمة" تعيد تأثيث بيت الشعر الجزائري

    تضجّ التقارير الرسمية الجزائرية بأرقام حسابية صادمة تدّعي أن أكبر ميزانية للثقافة إفريقيا وعربيا لسنة 2011، هي ميزانية الثقافة الجزائرية، ويتهامس المثقفون بحرقة وخجل عن صخرة سيزيفية منقوش عليها "الأزمة الثقافية"، صخرة كتمت على الأنفاس وأرّقت الشعراء والكتّاب والفنانين التشكيليين وكل من به مسّ إبداعي أصيل. وكأن قدر الجزائر أن تجرجر هذه الصخرة في بوتقة زمن لا يبدو أنه تقدّم أو يريد أن يتقدّم منذ تلك الساعة التي لا يجرؤ المبدعون الحقيقيون أن يضبطوا توقيتها.

    بعيدا عن إضجاج تلك الفعاليات الرسمية التي استهلكت من الأموال ما يكفي لقيام "وطن ثقافي"، وفشلت حتى في انتشال واحد من أكبر شعراء الجزائر من عزلة الوجع المتألم بكبرياء الصمت.. انفلتت "الكلمة" من دفاتر الكلام الذي يقول والذّي لا يقول، وأحدثت رجّة في جسد الثقافة الجزائرية، فبعثت بعض الحياة في الخمول الثقافي الجزائري وحفّزت الكتّاب والشعراء والأدباء والتشكيليين أن يمدّوا الخطى بالوثوق الذي تستلزمه مسالك الوصول إلى الغايات النبيلة. فبعثت مبدعين من قبو النسيان واحتفت بأسماء لها تاريخ في العطاء الأدبي والإبداعي، ورسمت جغرافية للأدب الجزائري لا مفاضلة فيها لمنطقة على أخرى ولا لجيل على آخر.. واستطاعت أن تكون جمعية الكلمة للثقافة والإعلام بامتياز.

    • العالم يغنّي "عبدالقادر يا بوعلام.."

    سقط اسم الشاعر الشيخ "عبدالقادر بطبجي" ولم يبق من المائتين وخمسة وعشرين بيتا سوى تلك الشذرات من قصيدة "عبدالقادر يا بوعلام.." وانحرف الغرض والمعنى من صوفية تقرأ ملامح الإنسان في مرايا النقاء إلى معنى آخر غلبه اللحن الموسيقي، فخفت الصوت الشعري ودوّى صوت المغنين بلهجات عربية متعدّدة: "عبدالقادر يا بوعلام..".

    وكثيرة هي الأصوات الشعرية الجزائرية المخبوءة في طيات القرون تترقّب روحا ممسوسة بأريكيولوجيا الشعر كي تعيد بعثها في مدارات اهتزاز اللفظ والمعنى والغرض، وتصبّها في نهر الشّعر العربي كقيمة تراثية وثروة أدبية عربية أصيلة.

    ولعلّ أهم ميزات هذه الأصوات الشعرية أنها حملت رسالة تأصيل الهويّة والحفاظ على الشخصية الوطنية ومرافقة الثورات الشعبية الجزائرية في أكثر الأزمنة قسوة وتوحّشا على الإنسان الجزائري الذي عمل الاستعمار على محاولة تفريغه من قيمه واجتثاثه من تربة عقيدته وانتمائه وأصالته.

    ولمّا يزل العالم يغنّي "عبدالقادر يا بوعلام" ولكنه يجهل أن الصوت الحقيقي لهذه "الصرخة" قادم من عمق الوجع الجزائري، ولعله من أجل هذا اختارت "الكلمة أن يسطع شاعر الجزائر مرة في السنة من "تاهات الشعر" تماما كما يسطع من "تاهات القمة" كل يوم أجمل شروق للشمس في العالم.

    • "القصيدة الديوان".. كشف شعري جزائري

    لم ينقطع الصوت الشعري الجزائريّ عن الفضاءات العربية، وكان حاضرا متفاعلا وفاعلا حتى في أحلك الظرفيات التاريخية التي عرفتها الجزائر، واستطاع أن يتطوّر ويطوّر في أدواته وتقنياته وأوجد "مختبرا شعريا جزائريا" أصّل التجربة الشعرية وخلع عليها "اللمسة" الجزائرية المميّزة. ولعل "القصيدة الديوان" واحدة من أهم "إنجازات" الشعر الجزائري، وإن لم تأخذ حظّها في الدراسة والتحليل عربيا.

    والصّوت الشعري الجزائري حملته إلى الفضاءات العربية دواوين ونصوص وقراءات استطاعت "الطيران".. كما حمله شعراء تحرّروا من أسر الجغرافية وأوجدوا لهم مواقع في أقطار عربية كثيرة.. وغالبا ما كان "تقييم" التجربة الشعرية الجزائرية يستند إلى ما "طار" ومن "وصل"، وفي هذا الأمر كثير من التجنّي على الأدب الجزائري وأيضا على أسماء هي عماد الشعر الجزائري حتى وإن لم تكسر الشرنقة.

    ولمّا تزل خارطة الشعر الجزائرية مجهولة عربيا لأن أسماء كبيرة مجهولة في الفضاءات العربية، وأصوات قوية جدا ومجددة في الشعر لمّا تزل تعاني أزمة الأسر في الشرنقة الجزائرية.

    • "الكلمة" تكسر الشرنقة

    هي شرنقة أسرت أصواتأ شعرية كبيرة ولم تستطع صناعة الكتاب وتقاليد النشر والتوزيع في الجزائر ولا الفعاليات الآنية المحفوفة بالسؤالات.. أن تكسرها، وتحمّلت "الكلمة" مسؤولية كسرها كي يتحرّر الصوت الشعري من أعماق الجزائر العميقة، ويتحرّر الشعر الجزائري ممن فرض عليه وصاية من خارج الجزائر، ويسطع الشاعر من شروق "تاهات" لينسج التجليات الحقيقية لقصيدة هام بها الزمان عشقا وافتنانا.. تلك القصيدة التي أعجزت اللغة ولم يقلها شاعر بعد.. أبجدية المحبة والتواصل والسّمو الإنساني على جغرافية العرب.

    | نشر بتاريخ


    بقلم: محمد ياسين رحمة-- إن يكُ الشعر خطيئة، فهو أعظم خطيئة إنسانية في وسعها تطهير الكائن البشري من خطاياه في حقّ الجمال والحب والحرية والطبيعة والحياة ذاتها. ومن يتوسّد الخطيئة، لا يحلم إلاّ باغتيال العصافير، لذلك يتوسّد الشعراء وسادة الحلم كي يحلم بهم الحلم فيستيقظون في أوراق دفاترهم أشعارا مُطهّرة للبشرية.

    والنصوص الشعرية هي أزهار يهابها الذّبول ولا تعترف بفصول الشحوب والصقيع والكوابيس، لأن أهمّ رسائل النص الشعري أن يقاوم الذبول الإنساني ويقيم فصول الإزهار في النّفس البشرية. لذلك يُنبت الشعراء أزهارهم من أعماق أعماقهم ويجتهدون في سكب الفتنة عليها وإبداع جمالها وروعتها بصدقهم ونقائهم و"براءتهم الإنسانية".

    غير أن الشاعر الذي أدرك حقيقته الشعرية هو ذلك الذي يستطيع أن يُشبع قصائده برحيق شاعريته المتميّز ويخبئ فيها طلسم الإغواء الشعري الذي يفعل بالقارئ ما يفعله السحر بالساحر. والشاعر الذي لم يدرك حقيقته الشعرية، قد تكون أزهاره آيات جمالية فاتنة ولكنها أزهار تفتقد للرحيق، لنقل أنه شاعر بلا بصمة شعرية تنطبع في النفس البشرية (نفسية المتلقي).

    يقولــون :

    إني كسرت بشعري جدار الفضيلة

    وأن الرجال هم الشعراء

    فكيف ستولد شاعرة في القبيلة؟

    وأضحك من كل هذا الهراء

    وأسخر ممن يريدون في عصر حرب الكواكب ..

    وأد النســاء ...

    وأسأل نفسي؛

    لماذا يكون غناء الذكور حلالا

    ويصبح صوت النساء رذيـلة؟

    الشاعرة سعاد الصباح أدركت حقيقتها الشعرية، وصوّبت نحونا مجموعتها "في البدء كانت الأنثى" كي تطهّرنا بالخطيئة من كلس القرون وساعات الرمّل وثغاء الفجر. وأيضا كي تعيد جدولة حروف "الأنثوية"، هذه الأنثوية التي ارتبطت بالخجل والتردد والخفوت ومظاهر الخوف من طرق أبواب كُتب عليها "أبواب لا يطرقها إلا الرجال".. فنحن أمام أنثوية متحررة من كل خوف، ولكنها تلبسه وتتحصّن به كقوة تُفجّر الكوامن "الأنثوية" وتدفع بها أن تطرق الأبواب التي لا يطرقها الرجال.

    يا هولاكو هذا العصر ..

    ارفع عني سيف القهر

    إنك رجل سوداوي ..

    مأساوي ..

    عدواني ..

    لست تفرق بين دماي

    وبين نقاط الحبر ... "رجل تحت الصفر"

    ليس رفضا للذات ولا تمرّدا على المجتمع بقيمه موروثه، بل هذه محاولة لتجاوز الأنثوية بالمعنى الشرقي أو العربي ونحت معنى آخر يخلع عن "العربي" عباءته الحضارية كي يُبصر حقيقته. أنه طينة بشرية مجبولة من التوحّش لا تفرّق بين قراءة الجسد وقراءة الورقة، وكأن الأنثى هي مجرد ورقة في يوميات هولاكو يكتب عليها عزواته وفتوحاته بذكوريته.

    ليست الديمقراطية

    أن يقول الرجل رأيه في السياسة

    دون أن يعترضه أحد

    الديمقراطية أن تقول المرأة

    رأيها في الحب ...

    دون أن يقتلها أحد! "الديمقراطية"

    "لغة شعرية" واقعية لا تهدف إلى التأريخ أو إعلاء صوت التنديد ولكنها لغة تعيد تكييف "القضية الأنثوية" بلغة تقتات حروفها من ملح الأزقة الضيقة ومسالك الأقدام التي تنعل البشمق ومن أحاديث الفناجين التي تخطط وتنظّر وتحلم.. نيابة عن المرأة.

    حين أكون بحالة عشق ..

    أشعر أن العالم أضحى وطني

    وبإمكاني أن أجتاز البحر

    وأعبر آلاف الأنهار

    وبإمكاني ..

    أن أتنقل دون جواز

    كالكلمات ... وكالأفكار .. "الحب في الهواء الطلق"

    أحيانا يكون الشاعر أكثر شاعرية من نصّه الشعري، يحدث ذلك عندما يكون النص الشعري بوابة الغواية إلى عوالم التيه في لذاذات المعنى المخبوء خلف الصوّر، وهناك نلمس عطر الغواية في التّحرر من أسر "الأنثوية" بتوظيف أنثوية اللغة في إعادة اكتشاف عوالم المرأة في أبعادها الإنسانية.

    يقولـون؛

    إني كســرت رخامة قبري ...

    وهذا صحيـح .

    وأني ذبحت خفافيش عصري ...

    وهذا صحيـح.

    وأني اقتلعت جذور النفاق بشعري

    وحطّمت عصر الصفيح

    فإن جرّحوني ...

    فأجمل ما في الوجود غزال جريح

    وان صلّبوني .. فشكرا لهم

    لقد جعلوني بصفّ المسـيح ...

    كمن يحاول اغتيال العدم، حاولت الشاعرة سعاد الصباح أن تغتال صنم الشعر، كي تؤكّد أن الشعر كائن حيّ يتنفّس ويقتات ويتكاثر والأهمّ أنه يعشق.. يعشق الأنثى كي تتحرّر من شرنقتها وتعلن في عوالم الذكورية أنها إنسانة عشقها الشعر فكتبته بالحروف ذاتها التي كتب بها الرجل.. وشرّبته بالمعاني التي ترتاد المجاهيل وتكسر الأبواب التي كُتب عليها "أبواب لا يطرقها إلا الرجال".

    الأحد، 11 ديسمبر 2011 | نشر بتاريخ